منصة الصباح
صورة مركبة تظهر في الجانب الأيسر متظاهرين وسط الغاز المسيل للدموع، وفي الجانب الأيمن سيارة محترقة يتصاعد منها دخان أسود كثيف خلال احتجاجات في أوروبا.
اضطرابات وخراب ونهب في اوروبا.. الصور/ وكالات..

اضطرابات وتخريب ونهب.. انتفاضة القارة العجوز

الصباح/ عبدالغني الطربان

لم تعُد العطلات الأسبوعية في كبرى المدن الأوروبية تحمِل ملامح الهدوء المعتاد لزوارها والسياح؛ إذ تحولت الشوارع والساحات العامة إلى ميادين مفتوحة لمسيرات احتجاجية متزامنة، يشارك فيها الطلاب والعمال والمتقاعدون.

وتأتي هذه التحركات رفضًا للسياسات الحكومية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع جودة القطاعات الحيوية مثل التعليم والرعاية الاجتماعية والسكن، ما ينذر بخريف مضطرب يُعيد إلى الأذهان ملامح الحراكات الشعبية الكبرى في القارة..

من باريس – التي تُعد القلب النابض لغرب أوروبا- إلى برلين ولشبونة وميلانو ومدن الشرق الأوروبي، يسعى المحتجون إلى إيصال صوتهم وإظهار التضامن العابر للحدود، ضد ما يصفونه بـ “تقاعس السياسيين” ومؤسسات الاتحاد الأوروبي..

وتُلقي التحركات الصاخبة في فرنسا بظلالها على تظاهرات ومسيرات متزامنة تُنظم في 7 مدن أوروبية على الأقل..

“العدوى الفرنسية” وضغوط الميزانيات

لا يمكن فصل هذا الحراك الميداني عن جذور شبابية بدأت تتبلور منذ عام 2025 تحت راية “جيل زد”، والتي رفعت شعارات ترفض الفساد والتفاوت الاجتماعي، وتنتقد السياسات الغربية إزاء حروب الشرق الأوسط في غزة ولبنان..

وعلى الرغم من تنوع المطلب القطاعي لكل دولة، يُجمع الملاحظون على أن النقطة المشتركة تتمثل في الاعتراض على ترتيب أولويات الحكومات عند توزيع الميزانيات..

وفي هذا السياق، أوضح “رودولف ديبورد”، أستاذ الاقتصاد في كلية “سكِيما” للأعمال، لشبكة “فرانس 24”:
“بطريقة ما، تجسد فرنسا اليوم ما تعاني منه القارة الأوروبية من اختلالات تشمل الإنفاق، وتدني الخدمات العامة، وارتفاع مستويات الدين. هناك أرضية مشتركة للمطالب إلى جانب ظاهرة ‘العدوى’ التي عززتها شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تستمد هذه الحركات الشجاعة من بعضها البعض، وهو أمر رأيناه في محطات تاريخية سابقة مثل الربيع العربي.”..

ويرى خبراء أن تحول المطالب الاجتماعية إلى “مقاومة شعبية متأصلة” عبر الفضاء الرقمي قد يُعيد إنتاج نموذج “السترات الصفراء” على نطاق قاري، حتى وإن كان الحديث عن “ربيع أوروبي” مكتمل الأركان لا يزال مبكرًا..

خيارات سياسية حادّة وصعود لليمين واليسار

تضع هذه الموجة الائتلافات الحاكمة -خصوصًا تلك التي تفتقر إلى أغلبية برلمانية مريحة- أمام اختبارات حقيقية:
في فرنسا تراقب القوى السياسية المزاج الشعبي عن كثب تمهيدًا لانتخابات الرئاسة في أبريل 2027. ويقود “حزب التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان استطلاعات الرأي عبر التركيز على ملفات الهجرة والجريمة وانتقاد النخبة السياسية..

في المقابل، يعود زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون إلى الواجهة بوعود تتعلق بإعادة توزيع الثروة ودعم الطبقة العاملة..

في ألمانيا: يعاني المستشار “فريدريش ميرتس” من تراجع في الشارع، مقابل صعود متزايد لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف..

وحسب تحليل لمجلة “تايم” الأمريكية، فإن فوز أي من التيارات الراديكالية أو اليمينية في القوى الكبرى سيضع تماسك أوروبا على المحك، بدايه من ملف الدعم الموجه لأوكرانيا والعلاقات مع روسيا، وصولًا إلى الهجرة والميزانيات وسلطة الاتحاد الأوروبي.

شلل محرك نمو منطقة اليورو

تتجاوز مخاطر هذه الأزمة حدود السياسة الداخلية لتشمل الاستقرار المالي في منطقة اليورو؛ إذ تشكل فرنسا وألمانيا معًا نحو 40% من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وأي تعثر سياسي أو اقتصادي في باريس وبرلين يحرم القارة من محركها الأساسي في توقيت حرج..

وتواجه أوروبا ضغوطًا متزايدة تشمل ثلاث جبهات كبرى:
المنافسة الصناعية الصينية والتي تتجلى في عجز تجاري سنوي يناهز 360 مليار يورو..
التصعيد الروسي المستمر عبر الحرب في أوكرانيا وتنامي تكتيكات “الحرب الرمادية”..
التحولات في السياسة الأمريكية وتراجع الالتزام بالنظام الدولي القائم منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية..

تأتي هذه التحديات المركّبة في وقت يتعين فيه على العواصم الأوروبية الاستعداد للتغيرات الهيكلية المتسارعة الناتجة عن التغير المناخي وطفرة الذكاء الاصطناعي، ما يجعل إدارة الأزمات الاجتماعية والسياسية الحالية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى..

شاهد أيضاً

صورة لحضور ومشاركة نخبة من الأكاديميين والمربين في فعاليات الندوة العلمية الأولى لقطاع التربية والتعليم بمدينة إجدابيا

ندوة علمية لتطوير التعليم في إجدابيا

الصباح / مفتاح البسكري انطلقت خلال اليومين الماضيين في مدينة إجدابيا فعاليات الندوة العلمية الأولى …