خلال أقل من 24 ساعة شهدت طرابلس حادثي مرور مروّعين خلّفا وفيات: الأول على جسر باب تاجوراء والثاني أمام محل حلويات العالم. كلاهما سببه السرعة الزائدة. وفي بلد يعاني أصلًا من قلة عدد السكان بثبات غريب مقارنة بجيرانه، نخسر المزيد من الأرواح يوميًا على الطرقات إلى جانب ضحايا السلاح والفوضى والأمراض، ومع غياب سياسة سكانية علمية وواضحة تستثمر في الإنسان كأفضل مورد لأي اقتصاد، تزداد حاجتنا لدراسات جادة للأسباب واقتراح للحلول العملية، ولا تقف المشكلة عند حدود السرعة، فحوادث المرور تتعدد أسبابها: كيلومترات من الطرق بلا إنارة، مطبات عشوائية، تحويرات غير مدروسة، غياب مسافات أمان بمواصفات عالمية، سوء توزيع للوحات المرورية، واستيراد سيارات رديئة تفتقر لأبسط شروط السلامة والمتانة. حتى مواد الرصف نفسها تبدو بحاجة إلى مراجعة. فالمشهد المروري أشبه بفوضى مكتملة العناصر، يدفع ثمنها الأبرياء وترهق أحداثها كاهل شرطة المرور والمحاكم.
لماذا يندفع الليبي خلف المقود وكأنه في سباق، بينما يميل إلى البطء في كل جوانب حياته الأخرى؟ هل هي محاولة لإثبات الذات، ولماذا يختار الطريق وحده ساحةً لذلك؟ ولماذا لا تكون هذه العجلة في مقاعد الدراسة، وفي مواقع العمل، وفي خدمة الناس؟ ولماذا فشل الوالدان في التربية، وفشلت المدرسة، وفشل خطباء المساجد في تهذيب سلوكنا على الطريق وإقناعنا أن الطريق عامة وللجميع، وأن القيادة مسؤولية قوامها الفن والذوق والأخلاق وأن التهور شروع في القتل؟ كيف فضحت الطرق افتقارنا لأبسط قواعد احترام النفس والغير؟ وماذا نكسب من دقائق مسروقة على الطريق ونحن نهدر العمر كله في الطوابير والتسويف والمجاملات الاجتماعية، وبيننا وبين الإنتاج والإنجاز أميال ضوئية؟
إن الله إذ ينهى عن البغي والعدوان، فالسلوك المتهور على الطرقات بغي وعدوان ومعصية له. متى ندرك أن الطريق أمانة، وأن أرواحنا وأرواح الآخرين ليست لعبة؟ وأن السرعة الزائدة جريمة يسألنا عنها القانون في الدنيا ويحاسبنا الله عليها في الآخرة؟ وكيف لا ندرك أن قتلنا لأي نفس بريئة سيحمّلنا وزر ما يحيق بأسرتها من مصاعب ومآسي؟ إن كل دقيقة تهور ليست مجرد خطأ عابر، بل جريمة ممتدة الأثر.