منصة الصباح
صورة مركبة تجمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الجانب الأيسر، وإبراهيم غالي، في الجانب الأيمن، خلال ظهورين رسميين.
صورة مركبة تجمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الجانب الأيسر، وإبراهيم غالي، في الجانب الأيمن، خلال ظهورين رسميين.

اتهامات النيجر تضع مثلث ليبيا وتشاد والنيجر أمام اختبار أمني جديد

 

تتصاعد المخاوف الأمنية في منطقة الساحل والصحراء مع انتقال التوترات الإقليمية إلى مناطق الحدود المشتركة، بعدما اتهم رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين، فرنسا وأوكرانيا بدعم مجموعات مسلحة قال إنها تتمركز قرب الحدود الشمالية الشرقية لبلاده، وتستعد لاستهداف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية.

وقال زين، في كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن مجموعات مسلحة موجودة على الحدود الشمالية الشرقية للنيجر، وتعمل بدعم وتوجيه من فرنسا وأوكرانيا ودولتين أخريين لم يسمهما، مضيفًا أن هذه المجموعات «مسلحة وموجهة» وتستعد لتنفيذ هجمات على مواقع عسكرية ومنشآت نفطية نيجيرية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه منطقة الساحل توترات أمنية متزايدة، فيما تتداخل الحدود الليبية والنيجرية والتشادية مع مسارات لحركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، ما يجعل أي تطور أمني في إحدى دول المنطقة قابلًا للامتداد إلى جيرانها.

اتهامات أمام الأمم المتحدة

لم يكتف رئيس الوزراء النيجري بالحديث عن تهديد أمني على الحدود، بل وضع اتهاماته في إطار أوسع يتعلق بما وصفه بمحاولات زعزعة استقرار منطقة الساحل، متهمًا فرنسا بالوقوف وراء ما سماه مشروعًا لزعزعة الاستقرار، وبـ”التواطؤ النشط” مع أوكرانيا.
كما ربط زين هذه التطورات بالصراع على الموارد الطبيعية في المنطقة، مشيرًا إلى اليورانيوم في النيجر، والذهب في مالي وبوركينا فاسو، إلى جانب الليثيوم والغاز والنفط.
وتكتسب تصريحات رئيس الوزراء أهمية إضافية بسبب تركيزها على المنشآت النفطية، في وقت أصبحت فيه عائدات النفط عنصرًا متزايد الأهمية في الاقتصاد النيجري، بعدما بدأ النيجر تصدير النفط الخام عبر خط أنابيب يصل حقول أغاديم بميناء على ساحل الأطلسي.
غير أن الاتهامات التي وجهها زين إلى فرنسا وأوكرانيا لم تُدعّم في خطابه بأدلة علنية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، كما لم يكشف هوية الدولتين الأخريين اللتين أشار إليهما.

الجنوب الليبي.. الحلقة الأكثر حساسية

لا يمكن فصل التطور الجديد عن الوضع الأمني المتوتر في الجنوب الليبي، خصوصًا في المناطق القريبة من الحدود مع النيجر وتشاد.
فقد وثقت تقارير الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة نشاطًا متزايدًا للجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود في المناطق الصحراوية، إلى جانب تحركات عسكرية ليبية بهدف تعزيز السيطرة على الحدود ومنع تمدد جماعات مسلحة قادمة من دول الجوار.
وفي يناير 2026، شهد معبر “التوم” على الحدود الليبية – النيجرية هجومًا شنته مجموعة من الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وفق تقرير للأمم المتحدة، قبل أن تتمكن القوات التابعة للجيش الوطني الليبي من صد الهجوم. وأشار التقرير إلى سقوط قتلى وأسر عدد من العناصر خلال المواجهات، أعقبتها عملية عسكرية في فبراير قرب الحدود.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنطقة الحدودية لم تعد مجرد ممر صحراوي بعيد عن مراكز القرار، وإنما تحولت إلى مساحة تتقاطع فيها ملفات الأمن والتهريب والجماعات المسلحة والنفوذ الإقليمي.

اشتباكات سابقة على الحدود التشادية

وسبق أن شهدت الحدود الليبية–التشادية تطورات أمنية مماثلة.
ففي مايو 2025، اندلعت اشتباكات قرب الحدود الليبية التشادية بين مقاتلين من قبائل التبو ووحدات تابعة للجيش الوطني الليبي، قبل أن تتجدد المواجهات في يوليو من العام نفسه، وفق تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وأشارت الأمم المتحدة آنذاك إلى أن بعض المهاجمين انسحبوا باتجاه الأراضي التشادية، كما تحدثت عن تقارير تفيد بارتباط بعض المقاتلين بقوى معارضة تشادية.
وفي فبراير 2025، ناقشت لجان اتصال عسكرية وأمنية من ليبيا والنيجر والسودان في طرابلس التطورات الأمنية في المناطق الحدودية المشتركة، واتفقت على أن تحركات المرتزقة عبر الحدود تمثل عاملًا مزعزعًا للاستقرار وتهديدًا للأمن الإقليمي، بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة.

منطقة مفتوحة أمام التهريب والجماعات المسلحة

وتكتسب المنطقة الصحراوية الممتدة بين جنوب ليبيا وشمال تشاد والنيجر حساسية خاصة بسبب اتساعها وصعوبة مراقبة حدودها، فضلًا عن وجود طرق تستخدم في حركة الوقود والسلع والذهب والمهاجرين والأسلحة.
وكان تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا قد أشار إلى أن المناطق الجنوبية تمثل نقطة اتصال مع شبكات وأنشطة عابرة للحدود، كما وثق تحركات عسكرية في مناطق براك الشاطئ وغات وقطرون وسبها وأوباري ضمن جهود لتعزيز السيطرة على الحدود مع النيجر وتشاد.
كما حذرت تقارير أممية من أن هشاشة الحدود الليبية تجعل البلاد عرضة لتحركات الشبكات الإجرامية والجماعات المتطرفة العابرة للحدود، خصوصًا مع استمرار الأزمات الأمنية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.

النفط.. هدف يتجاوز النيجر

ولا تبدو المخاوف المتعلقة باستهداف المنشآت النفطية بعيدة عن طبيعة الصراع في المنطقة؛ فالبنية النفطية أصبحت خلال السنوات الماضية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.
وفي النيجر، واجهت منشآت النفط في منطقة أغاديم تهديدات أمنية سابقة، ما دفع شركة النفط الصينية «CNPC» في 2024 إلى تعليق بعض أعمال الإنشاءات في المنطقة بعد هجمات استهدفت البنية التحتية النفطية. كما طُرحت آنذاك خطط لإنشاء خط أنابيب جديد يربط حقول أغاديم في النيجر بحقول دوبا في تشاد، بطول يقارب 985 كيلومترًا.
وفي ليبيا، لا تزال المنشآت وخطوط نقل النفط عرضة بدورها لتأثير الاضطرابات الأمنية؛ ففي سبتمبر 2026 أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن مجموعة مسلحة أغلقت صمامًا على خط نقل خام الشرارة، ما أدى إلى انخفاض حاد في الإنتاج من أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد.
وتكشف هذه الوقائع أن حماية النفط لم تعد مسألة اقتصادية محلية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالاستقرار الأمني في منطقة تمتد من الساحل إلى الصحراء الليبية.

من الساحل إلى ليبيا.. خريطة أمنية تتغير

وتأتي التطورات الجديدة في ظل تحولات أوسع تشهدها منطقة الساحل، بعد تراجع الوجود الفرنسي في عدد من دول المنطقة، وصعود تحالفات أمنية وسياسية جديدة، بينها تحالف دول الساحل الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو.
وفي المقابل، ما تزال الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة» تنشط في مناطق واسعة من الساحل، مع قدرتها على التحرك عبر الحدود واستغلال الطبيعة الصحراوية وضعف السيطرة الحكومية في بعض المناطق.
وحذرت الأمم المتحدة في يوليو 2026 من استمرار التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة غير الحكومية في منطقة الساحل، مشيرة إلى قدرتها على تنفيذ هجمات منسقة عبر الحدود، والاستفادة من الجريمة المنظمة والتهريب لتعزيز نفوذها وتمويل عملياتها.

هل تنتقل الأزمة إلى الحدود الليبية؟

التطور الأخطر بالنسبة إلى ليبيا لا يتمثل فقط في صحة الاتهامات النيجيرية من عدمها، وإنما في احتمال انعكاس أي تصعيد جديد في النيجر أو تشاد على المناطق الجنوبية الليبية.
فالحدود الطويلة والمفتوحة، وتداخل المصالح بين القوى المحلية والإقليمية، وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، كلها عوامل تجعل الجنوب الليبي جزءًا من معادلة أمنية أوسع من حدود الدولة الليبية نفسها.
وتزداد حساسية المشهد في ظل وجود سوابق لهجمات وتحركات مسلحة في المنطقة الحدودية، وهو ما يجعل أي تصعيد في النيجر أو تشاد مرشحًا لأن ينعكس على حركة الأشخاص والسلاح والسلع والوقود، وعلى أمن المعابر والطرق الصحراوية.

ما الذي يعنيه ذلك لليبيا؟

بالنسبة إلى ليبيا، تفرض التطورات الجديدة ضرورة التعامل مع حدودها الجنوبية باعتبارها ملفًا أمنيًا وإقليميًا متكاملًا، لا مجرد نقاط حدودية متفرقة.
فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بمن يسيطر على معبر أو طريق صحراوي، وإنما بمن يمتلك القدرة على مراقبة مساحة شاسعة تتداخل فيها مصالح ثلاث دول، وتتحرك عبرها جماعات مسلحة وشبكات تهريب، فيما تتغير التحالفات الإقليمية بصورة متسارعة.
وتشير الوقائع الموثقة خلال 2025 و2026 إلى أن الجنوب الليبي شهد بالفعل حوادث مسلحة مرتبطة بالحدود مع النيجر وتشاد، ما يعني أن أي تصعيد جديد في منطقة الساحل يستدعي من السلطات الليبية رفع مستوى التنسيق الأمني والحدودي مع دول الجوار، مع تجنب تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وبين اتهامات النيجر لفرنسا وأوكرانيا، ونفي أطراف أخرى لاتهامات سابقة مماثلة، يبقى الثابت أن منطقة الساحل والصحراء تمر بمرحلة أمنية شديدة الحساسية، وأن المثلث الحدودي بين ليبيا والنيجر وتشاد بات واحدًا من أكثر المساحات التي تستحق المتابعة، ليس فقط لأسباب أمنية، وإنما لما يمثله من أهمية في حركة الطاقة والتجارة والهجرة والأمن الإقليمي.
وتظل الاتهامات التي أطلقها رئيس الوزراء النيجري أمام الأمم المتحدة بحاجة إلى أدلة مستقلة للتحقق منها، فيما تشير الوقائع الموثقة ميدانيًا إلى أن التحدي الأوسع يتمثل في تنامي نشاط الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وسياسية متراكمة.

شاهد أيضاً

وقعت جنوب شرق مصراتة بقوة 4.2 درجات يوم 27 سبتمبر 2026، مقدمة من منصة الصباح الإخبارية. تظهر الصورة خريطة عامة للمنطقة، متبوعة بخريطتين مكبرتين بوضوح تُحددان بدقة المركز السطحي للزلزال وإحداثياته الجغرافية والزمانية، مع مقاييس مسافة ومواقع المدن المجاورة مثل مصراتة والقداحية، وشعار المركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل

هزة أرضية بقوة 4.2 درجات جنوب شرق مصراتة

سجّلت محطات الرصد الزلزالي، وفق التقرير الصادر عن المركز الليبي للاستشعار عن بُعد وعلوم الفضاء، …