منصة الصباح

الأطفال ساقطو القيد: أزمة هوية وحقوق

 

في ظل تعقيدات القوانين والإجراءات الإدارية، تبرز فئة مهمشة تعيش في الظل، تصارع يوميًا لإثبات وجودها؛ إنهم الأطفال، الذين لم يُسجَّلوا رسميًا في السجلات المدنية لأسباب متعددة، أبرزها الإهمال أو التعقيدات القانونية المتعلقة بالجنسية أو الزواج غير الموثق أو خلافات الوالدين.

هؤلاء الأطفال، رغم وجودهم الفعلي، يفتقدون للاعتراف الرسمي، مما يفاقم معاناتهم ويعرضهم لسلسلة من الأزمات الاجتماعية والنفسية والقانونية.
يبدأ الطفل حياته ساقط قيد بلا اسم مسجل، ويُحرم تلقائيًا من كل الحقوق التي تمنحها المواطنة، كالتعليم، والرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي.

لعدة أسباب تبدأ ولاتنتهي، منها الإهمال الأسري، حيث يتجاهل بعض الآباء تسجيل أطفالهم إما لعدم الوعي أو بسبب التفكك الأسري والخلافات الزوجية. إلى جانب التعقيدات القانونية، مثل حالات الزواج غير الرسمي، أو عدم حصول الأم على الأوراق القانونية التي تثبت نسب الطفل، أو تقييد الحقوق بناءً على جنسية الأم أو الأب، في تفاقم المشكلة.

غياب الإثبات الرسمي يعني أكثر من مجرد فقدان ورقة رسمية؛ فهو يفرض على هؤلاء الأطفال قيودًا اجتماعية ونفسية قاسية.

يكبر الطفل في بيئة تشكك في شرعيته، مما يجعله عرضة للنبذ المجتمعي والتمييز، حيث يُنظر إليه على أنه خارج عن نظام الأسرة التقليدي، وقد يُحمَّل ذنب خطأ لم يرتكبه، وهو إهمال والديه أو قصور القوانين في احتوائه.

إضافةً إلى ذلك، فإن الطفل الذي يعيش بلا هوية رسمية يتعذر عليه الالتحاق بالمدارس، مما يؤدي إلى الجهل والتسرب المبكر نحو سوق العمل غير الرسمي، أو الأسوأ، نحو الاستغلال والانحراف. كما أنه يُحرم من الرعاية الصحية الأساسية، مما يعرضه لمخاطر صحية خطيرة، خصوصًا في الحالات التي يحتاج فيها إلى علاجات باهظة التكلفة لا يمكن الحصول عليها إلا بوثائق رسمية.

وهذا يعرضهم إلى أزمات اجتماعية، وصراع داخلي بسبب القلق المستمر حول هويتهم ومكانهم في المجتمع.

و ينشأ الطفل وهو يشعر بأنه غير منتمٍ، وكأنه خارج عن الإطار الطبيعي، مما يهدد بناءه النفسي السليم ويجعله أكثر عرضة للاكتئاب، والعزلة، أو حتى الغضب الاجتماعي الذي قد يُترجم إلى سلوكيات متمردة وخطرة.

نتيجةً لذلك، يتحمّل الأطفال عواقب إهمال آبائهم أو قصور القوانين في حمايتهم. فبدلاً من التعامل معهم كحالات قانونية معقّدة، يجب تنفيذ حلول عملية تضمن تسجيلهم ومنحهم حقوقهم الأساسية، تتم معاملتهم كمرتكبي جرائم، ليصبحوا ضحايا منظومة تعاقبهم على أخطاء لم يرتكبوها.

إن الحل لا يكمن فقط في التشريعات والقوانين، بل في تغيير النظرة المجتمعية لهم، والاعتراف بحقهم في حياة كريمة توفر لهم ما يحتاجونه للنمو كأفراد فاعلين في المجتمع. فهُوية الإنسان ليست مجرد وثيقة، بل هي حق أصيل لا ينبغي أن يُنتزع تحت أي ظرف.

ايناس احميدة

شاهد أيضاً

“كورة ولقّاحة”!

عبد الرزاق الداهش ——- “كوّرة ولقّاحة” حدوثة من المخزون الشعبي المزدحم بالحكايات أو الدلالات. القصة …