حنان علي كابو / الصباح
في نصه الفائز بجائزة كامل المقهور في دورته الثانية «بائع الوقت»، يفتح الكاتب الليبي أحمد علي الفاخري بابًا فلسفيًا على سؤال الزمن، لا بوصفه وحدة قياس جامدة، بل ككائن يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. من خلال الفانتازيا الرمزية، يستدعي الفاخري شخصية جلجامش في عالم معاصر تحكمه الأسواق والأنظمة والبيروقراطية، ليعيد طرح السؤال القديم: ماذا نفعل بما تبقّى لنا من وقت؟
الفاخري كاتب وقاص وشاعر ليبي، برز مبكرًا من خلال مشاركاته في المسابقات الأدبية الجامعية، حيث نال جوائز متقدمة في القصة القصيرة بين عامي 2007 و2010، وشارك في فعاليات ثقافية داخل ليبيا وخارجها، وآخرها مهرجان الشارقة للشعر العربي. يكتب بنَفَسٍ فلسفي يعتمد الفانتازيا الرمزية والاقتصاد اللغوي، ويشتغل في نصوصه على أسئلة الزمن والوجود، مستلهمًا الأسطورة بوصفها لقراءة الواقع المعاصر.
بائع الوقت واللحظة المفصلية .
– ما اللحظة أو الفكرة الأولى التي قادتك إلى كتابة «بائع الوقت»؟ ولماذا اخترت سؤال الزمن والخلود محورًا للنص في هذه المرحلة؟
بنيت فكرة النص في الأساس على محاولة تحديد معنى الوقت في حياتنا، لا بوصفه عاملا فيزيائيا أو أداة لقياس التغيرات، بل كشيء ملموس يتغلغل في تفاصيلنا اليومية، وما دور محيطنا العام أو الخاص في تحديد علاقتنا معه، بما في ذلك القوانين والدولة والمرض والانتظار وغيرها
بالطبع، القصة لمن يقرأها ليست مقالاً يناقش هذه المسائل بشكل مفصل، ولكن هذه هي الهواجس العامة التي انتابتني للتفكير في قصة تطرح المزيد من التساؤلات، مثلا:
– لجأتَ إلى الفانتازيا الرمزية بوصفها إطارًا سرديًا، ما الذي تتيحه لك هذه الكتابة مقارنة بالواقعية؟ ولماذا استحضرتَ شخصية جلجامش تحديدًا؟
الفانتازيا الرمزية تمنحني حرية أكبر وجرأة أكثر في طرق جميع الجوانب الممكنة، الجوانب التي تحددها الأحداث والشخصيات ليكتمل المشهد. حين يصبح الزمن سلعة، وتغدو الحكومة سارقة أعمار، لا تعود الواقعية كافية لاحتواء هذا العبث.
الرمزية هنا ليست هروبًا، بل أداة تكثيف.
أما جلجامش، فحضوره لم يكن توظيفا للأسطورة بشكل عبثي بقدر ما هو محاولة لتأطير مشكلة الإنسان الأزلية مع الوقت والزمن، حتى نطرح مزيدا من التساؤلات.
فكما يقول أدونيس: الأدب ليس إيجاد الأجوبة، الأدب هو البحث عن المزيد من الأسئلة.
الاسطورة والقلق الوجودي .
– كيف يمكن للأسطورة القديمة أن تعيد طرح أسئلة معاصرة عن الإنسان والزمن؟
الأسطورة هي امتداد لوعي الإنسان وأفكاره عن الحياة وتفاصيلها، ويمكن القول إنها الإطار العام لفلسفة الوجود، دائما ما وجد الإنسان في الأسطورة محاولاته في إيجاد معنى الأشياء ومعنى الوجود.
لذلك نجد أن الأسطورة تطرح السؤال نفسه بصيغ مختلفة. حين نستحضر جلجامش في عالم السوق السوداء والـATM والزحام، ندرك أن السؤال لم يتغير: ماذا نفعل بما تبقى لنا من وقت؟ الفرق أن الإنسان القديم كان يواجه الآلهة، بينما يواجه الإنسان المعاصر الأنظمة والأسواق والبيروقراطية والروتين المتكرر. الأسطورة هنا تُعيد ربط المعاصر بجذره الوجودي، وتكشف أن عجلة التطور لم تنجح في تغيير هذا القلق الوجودي.
الاقتصاد اللغوي ودقة الاختيار .
– أشادت لجنة التحكيم بلغة القصة المتماسكة، كيف توازن بين الفكرة الفلسفية والاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة؟
أؤمن أن القصة القصيرة لا تحتمل الشرح، بل الإيحاء. الفكرة الفلسفية إن لم تُختصر إلى صورة، تتحول إلى عبء. لذلك حاولت أن أجعل اللغة خادمة للتجربة لا شارحة لها من خلال صنع الصور التي تؤدي وظيفة الفكرة دون أن تُصرِّح بها. الاقتصاد اللغوي هنا ليس تقليلًا، بل دقة في الاختيار.
دائرة الضوء .
– هل الجوائز الأدبية تؤثر في مسار الكاتب أم تبقى مجرد لحظة احتفاء؟
الجوائز الأدبية لها ميزاتها الكثيرة لكل من الكاتب والجمهور، فهي تضع الكاتب في دائرة الضوء، وتساهم بشكل كبير في نشر إبداعه، وهو ما يسعى إليه كل كاتب، من جهة أخرى تحفزه على العطاء والاستمرار.
لكن الخوف هنا من أن يقع الكاتب أسيرا لذائقة لجان التحكيم، ويتحول شيئا فشيئا إلى صانعا جامدا بدلا من أن يظل مبدعًا حرًّا
وفي جميع الأحوال.. أعتقد أن الجوائز الأدبية تمنح الكاتب الاعتراف والتقدير، واستمرار هذه الجوائز وتنوعها هو دعم إضافي للإبداع.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية