منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

هل نعيش مرحلة إعادة اختراع نظام عالمي؟

بعد الحرب العالمية الثانية، أحيلت عصبة الأمم إلى أرشيف التاريخ، وولدت الأمم المتحدة كمؤسسة عالمية تُناط بها مهمة إضفاء الشرعية الدولية وتنسيق العلاقات بين الدول. نظام دولي جديد ارتكز على مبدأ السيادة الوطنية، والتعاون الدولي، والالتزام بالقواعد الناظمة للعلاقات بين الدول، مع تفاوت هيمنة القوى الكبرى وقدرتها على فرض إرادتها عبر العقود.

غير أن هذا الإطار لم يكن يومًا محصنًا من الاختراق. فقد دأبت بعض القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، على التصرف خارج المنظومة المؤسساتية ذاتها. تدخلت في فنزويلا مطلع العام دون غطاء أممي أو تحالف مؤسسي، وسبق لها التدخل عسكريًا أو استخباراتيًا في كوريا، إيران، أفغانستان، غواتيمالا، شيلي، غرينادا، بنما، ليبيا، فيتنام، والعراق. كما أقدمت فرنسا على التدخل في ليبيا عام 2011 مستبقة أي قرار لحلف شمال الأطلسي، رغم أن الحلف ليس منظمة أممية، ولا يُفترض به التدخل إلا في حال تعرض أحد أعضائه لاعتداء، وهو ما لم ينطبق على الحالة الليبية.

حتى على مستوى الالتزامات الدولية، انتهجت الولايات المتحدة سياسة انتقائية، انسحبت بموجبها من منظمات واتفاقيات دولية، وامتنعت عن المصادقة على أخرى، متخذة من “المصلحة الوطنية” معيارًا وحيدًا للتصرف، بدلًا من الالتزام بقواعد دولية جامعة. ويُعد خروجها من منظمة الصحة العالمية آخر مثال على ذلك. إقليميًا، تعيش دول مثل ليبيا، السودان، اليمن، الصومال، وإيران، تحت وطأة اضطرابات داخلية وضغوط خارجية متشابكة، في وقت يشهد محاولات إعادة تشكيل أنماط تعاون دولي موازية خارج المؤسسات التقليدية، كان آخرها الإعلان عن “مجلس السلام” وتحديد آليات عضويته الدائمة والمؤقتة.

لعلنا اليوم أمام مخاض ولادة نظام دولي جديد، فتعدد الأقطاب، وتصاعد النزعات الأحادية، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض قواعدها، يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل 1914 و1939: نظام دولي متشظٍ، تحالفات مؤقتة، مصالح متناقضة، وصراع محموم على احتكار أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية. تضاف إلى ذلك شركات عابرة للحدود تقدم مفهومًا مختلفًا للسيادة ومجتمعًا يتجاوز مفهوم الدولة، وشبكات سلاح ومخدرات تُغذي الحروب والفوضى لتعظيم مكاسبها.

إن التاريخ، الذي أعاد صياغة النظام الدولي بعد الحربين العالميتين بمداد من دماء ودموع الأبرياء، قد يكون على وشك كتابة فصل جديد… وربما سيكون أكثر قتامة.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

عمار شنفير

تسديدات مباشرة

عمار شنفير •ستشرع منصة الصباح الإخبارية خلال الفترة القريبة القادمة في تخصيص مساحة تُعنى بأخبار …