تبدو ليبيا اليوم لوحةً سياسية–اقتصادية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أرقام الدَّين العام مع توسع في الإنفاق يرفع معدّلات التضخم. فقد أصدر مجلس النواب القانون رقم 6 لسنة 2025 بشأن سداد الدين العام القائم على الخزانة العامة منذ 2014م، والبالغ 303 مليارات و441 مليونًا و418 دينارًا، في خطوة بدت محاولةً لإعادة هيكلة الالتزامات المالية، وبعد أيام قليلة، أقرّ مشروع قانون زيادة مرتبات منتسبي القوات المسلحة، وهي خطوة يمكن قراءتها سياسيًا كمحاولة لتعزيز قاعدة دعم عسكري–سياسي، أكثر من كونها استحقاقًا وظيفيًا يدخل في إطار العدالة الاجتماعية. خاصة وأن زيادات مالية سابقة أُقرت ولم تُنفَّذ.
أي إنفاق جديد، في ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة وموحدة تُطَبّق على كامل التُراب الليبي، يتحوّل تلقائيًا إلى عبء إضافي، إذ ترتفع الأسعار فور الإعلان عن أي زيادة مرتقبة في المرتبات، بالتزامن مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، بما يفرغ تلك الزيادات من مضمونها الاجتماعي ويحوّلها إلى عامل تضخمي جديد. لا سيما وأن تقارير ديوان المحاسبة – رغم ما يُقال عن نواقصها – تمثل مرآة تعكس حجم الفساد والتجاوزات داخل قطاعات الدولة، يعزّزها في ذلك ما يصدره مكتب النائب العام يوميًا من بيانات، ما يعني أن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص القوانين، بل في غياب تفعيلها، وفي ضعف الإرادة السياسية لإنفاذها على الجميع دون استثناء. وأتساءل: كيف يمكن لاقتصاد هشّ يعتمد على النفط، ويتحاشى الحديث عن الغاز، ويعاني ضعف الرقابة وغياب التشخيص المالي السليم والحلول المستدامة، أن يتحمّل مزيد الديون والإنفاق غير المنتج؟
ومع تغلغل السياسة في كل شيء، تزداد الضبابية، وصولًا إلى التوتر بين البرلمان والمحكمة العليا؛ حيث قوبل تصريح رئيس الأول بردّ مباشر من رئيس الثانية. ومن منظور أوسع، يبدو المشهد كأنه محاولة لإعادة تشكيل معايير السلطة خارج الأطر الدستورية، في تشويشٍ مؤسساتي يخلط بين ميزان القوة وميزان الحق. ويبقى الدستور – الحبيس في الأدراج – شاهدًا على أن ليبيا ما تزال بلا عقد اجتماعي جامع، يحدّد القواعد، ويضبط الصلاحيات والمسؤوليات، ويمنع تداخل الاختصاصات، ويضع حدًا لدوّامة “زيد الما زيد الدقيق” التي تُراكم الأزمات بدل حلّها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية