لم تكن ليبيا مجرد جغرافيا بعيدة على خرائط الإمبراطورية البريطانية، بل كانت فضاءً مفتوحًا للدهشة والاكتشاف، وموضوعًا لرحلات استكشافية حملت في طياتها مزيجًا من الشغف العلمي والنزعة التوثيقية.

من بين تلك الرحلات، تبرز تجربة الضابط البحري البريطاني إدوين بورتشر، الذي ترك إرثًا بصريًا نادرًا لمدن شرق وغرب ليبيا، عبر سلسلة من اللوحات التي وثّقت ملامح شحات وبنغازي وطرابلس.

بدأت الحكاية في 23 ديسمبر 1860، حين وصل بورتشر إلى مدينة شحات، الموقع الذي يحتضن آثار قورينا الإغريقية، برفقة الضابط روبرت سميث. رحلة امتدت عشرة أشهر، بدأت بتمويل شخصي، قبل أن تستقطب اهتمام المتحف البريطاني، الذي تولّى دعمها لاحقًا بعد تزايد الاكتشافات.

لم يكن بورتشر مجرد مستكشف، بل كان عينًا ترسم قبل أن تكتب. في تضاريس شحات الوعرة، وبين أعمدة قورينا المهيبة، أنجز نحو 89 لوحة فنية، التقطت تفاصيل المكان بعين فنان يوازن بين الدقة العلمية والحس الجمالي. هذه اللوحات، التي أُدرجت لاحقًا في كتاب “تاريخ الاكتشافات الحديثة في قورينا التي تمت أثناء رحلة استكشافية إلى قورينا في عامي 1860 و1861” الصادر سنة 1864، تشكّل اليوم وثيقة بصرية نادرة، تعيد بناء ملامح مدينة أثرية في زمن كانت فيه الكاميرا لا تزال في بداياتها.

في جانب آخر من الرحلة، تكشف يوميات بورتشر وسميث عن نمط حياة ميداني قاسٍ؛ إذ اتخذا من المقابر الصخرية المنحوتة مساكن مؤقتة، حوّلاها إلى غرف للنوم ومخازن وإسطبلات ومطابخ. كانت الآثار بالنسبة لهما ليست فقط موضوعًا للدراسة، بل فضاءً للعيش والتأقلم، في تجربة تختلط فيها المغامرة بالبحث العلمي.
ومع انتقال الرحلة إلى مرحلة أكثر تنظيمًا بدعم المتحف البريطاني، توسّعت أعمال التنقيب، وأسفرت عن اكتشاف 148 قطعة أثرية ومنحوتات، إلى جانب 63 صندوقًا من اللقى التي نُقلت إلى بريطانيا في أكتوبر 1861. هناك، أصبحت هذه القطع جزءًا من مجموعات المتحف، في سياق تاريخي أوسع شهد انتقال كميات كبيرة من آثار المنطقة إلى مؤسسات غربية.
غير أن أهمية تجربة بورتشر لا تقف عند حدود الاكتشاف الأثري، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد: إلى فعل التوثيق ذاته. لوحاته ليست مجرد رسومات، بل سرد بصري لمدن ليبية في لحظة تاريخية فارقة، قبل التحولات العمرانية والسياسية الكبرى. إنها ذاكرة مرئية تُعيد إلينا شكل المكان، وتدعونا للتساؤل: كيف كان يبدو هذا العالم قبل أن تتغير ملامحه؟
بين الفن والاكتشاف، وبين التوثيق والامتلاك، تقف أعمال إدوين بورتشر شاهدًا مزدوجًا: على جمال المكان، وعلى تعقيدات العلاقة بين المعرفة والقوة في تاريخ الآثار. وفي هذا التداخل، يظل السؤال مفتوحًا حول مصير الذاكرة، ومن يملك حق روايتها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية