منصة الصباح

هناك .. حيث يليق به المقام

هناك .. حيث يليق به المقام

محمود السوكني

كان الكاتب الكبير محط أنظار الجميع وإهتمامهم اينما حلّ في عاصمة العرب ، كان يحظى بإحترام كل من إلتقاه لثقافته الواسعة واسلوبه الشيّق وحضوره الآسر . كانت شهرته التي إكتسبها في عواصم العرب تسبقه ، كان سريع البديهة ، حاضر النكتة يخترع بداية لحديث لا تمل الأذان عن سماعه ، فيه الطرافة والحكمة والمعلومة التي تأسر الألباب .

سألته ذات مرة : لماذا لاتكتب للصحيفة الأشهر عند العرب كما يفعل كاتبنا الروائي المعروف ؟ فاجأني بأنه من توسط له بالكتابة في تلك الصحيفة بحكم علاقته الوطيدة برئيس تحريرها الذي يدرك كغيره من كبار الصحفيين ومشاهير الكُتّاب القيمة العالية للكاتب الكبير والمكانة الرفيعة التي يتبوأها بينهم . استيقظ ولاة الأمر ذات مرة نادرة واستشعروا فداحة فقدانه الغير مبرر فسارعوا إلى إستمالته بدعوى حاجة الوطن لخدماته هناك في عاصمة العرب ، لم يتأخر ، وقام من فوره يعد العدة لبرنامج عمل مكثف يعيد فيه للوطن بريقه اللامع الذي كان ووهج حضوره الذي بهت . ككل الوعود التي يطلقها حكامنا لم يكن الأمر سوى كلام مرسل يشبه دخاناً يتبدد في الهواء ، فيما تأبط كاتبنا الكبير احلامه المبعثرة في برنامجه المكتوب وراح ينفث دخان سجائره متحسراً على مآلات الوطن .

لم يكن أول ضحايا الإهمال ولن يكون أخرهم ، كان فقط يتحسر على تجاهل قيمته التي تحظى بالإشادة والتكريم عند من يقدرونها حق قدرها فيما يغفل عنها من يحتاجها !

في هذا الجو النفسي المأزوم بين إعجاب مفرط ممن يملكون ناصية القول ويتبينون الغث من السمين ويدركون الفارق بين مبدع ومقرف ، وبين ولاة جهلة يزدرون الحسن ويعشقون القبح وتستهويهم العطانة ، وسط هذا الجو الكئيب كانت تصله دعوات احبائه في الداخل ترجوه العودة فالوطن في حاجة إليه ، لم يتأخر وسارع بتلبية النداء ، حينها إستقبل بالقبل والأحضان وعبارات الترحيب التي ما إنفكت تشنف أذنيه صباح مساء . إستعاد همته وعادت له ثقته في الغد الذي كان يرجوه وطفق يحلم بكم المشاريع التي كانت تشغل عقله وتثير حماسه وتستهوي شهيته و .. كأي حلم جميل يزول عند الصحو ، فإذ بالقبلات التي أنهمرت عليه تنقشع كفقاعات الصابون الرديء ، والأحضان كانت بلا روح وعبارات الترحيب لا نبض فيها ولا حياة ولم يجد الكاتب الكبير سوى أحفاده يلوذ ببرائتهم ، يبثهم لواعج قلبه ويحكي لهم متحسراً عن بلاد إقترف ذنب محبتها فلفظته !

قبل أن يقتله السأم نفذ بجلده وقفز إلى أقرب طائرة أخذته إلى هناك حيث يعرفون قدره ويحتفون بإبداعه وينشدون وده ، هناك حيث يليق به المقام . سيأتي اليوم الذي نعتذر فيه منك ياسيدي ، كل ما أرجوه أن لا يكون الوقت متأخراً أنذاك .

شاهد أيضاً

قِصَتِي مِعَ ثَقَافِةِ الَّزقْزَاقْ

باختصار… د. علي عاشور عندما كنت عائداً من مطار معتيقة، متخذاً طريق الشط مسلكاً، استوقفتني …