منصة الصباح
طارق القزيري

يا زهور ربيعي: حين يكون الحب موقف استحقاق

طارق القزيري

“ماليش غيرك… شاري هواك حتى إن كان تبيعي” جملتان كافيتان لأغنية حب كاملة، ومع ذلك لا نعرف عن هذه المرأة شيئا. لا لون عينيها، لا ضحكتها، لا ملمح واحد. وهذه ليست مصادفة، ويبدو انها مقصودة:
الوصف خيانة: حب بلا ملامح
كأن الراحل عبد السلام زقلام يقرر منذ اول بيت ان الوصف رفاهية لا تليق بهذا النوع من الحب، وربما خيانة. لماذا يصفها وهو يعرف ان كل وصف سيصغرها ويصغره؟ او لماذا يصفها وهو يريد ان يثبت شيئا اخطر: الحب ليس في المحبوب… الحب في القرار.

“ماليش غيرك” ليست عاطفة، انها حصار. اغلاق نهائي لكل الابواب، ووضع النفس امام شرط وجودي: اما انت او لا شيء.
ثم تأتي “شاري هواك حتى إن كان تبيعي” لتزيد التوتر درجة: العاشق لا يطلب عدلا ولا ضمانة، انه يدخل علاقة يعرف اختلال ميزانها، ويمضي.

هنا يثبت موقفه من دون تجميلها ولا تقديمها كاسطورة جمال، وانما بتقديم نفسه كمن يتحمل الخسارة وهو واع بها. هذا ما يجعل العبارة جارحة: هي رومانسية قاسية، واعلان استعداد للدفع حتى حين لا يستحق السوق.

إبراهيم فهمي: اللحن يضاعف الوجع
ومن هنا يتكرر مركز النص في صياغات مختلفة بلا تزيين: “ماليش غيرك” “شاري هواك” “قلبي ذايب” “الشوق ماهو غايب”.

عبارات قصيرة كطلقات، تعمل كاعترافات لا كزخارف. قابلية الترديد هنا ليست نتاج جمال لفظي فقط، بل نتاج صدق مباشر: النص لا يتفنن كي يقنعك، وانما يضغط عليك حتى تصدقه.

ثم يأتي دور ابراهيم فهمي ليضاعف الوجع بدل ان يلطّفه: الترديد (ذايب… ذايب… ذايب) ليس تطريبا محايدا، انه تثبيت للحالة كاقامة لا كنوبة. والسؤال المتكرر (شن هو اغلى… واغلى… واغلى؟) ليس بحثا عن جواب، انه خنق للبدائل حتى تختنق معها فكرة النجاة. الموسيقى هنا لا “تزين” النص، انها تكشفه: تجعل الكلمة تجرح مرتين، مرة وهي تقال، ومرة وهي تعاد.

عبقرية زقلام المنطقية

ما يميز هذا النص ليس فقط دفقته العاطفية، بل صلابته الداخلية: منطق عاطفي محكم لا يترك الاغنية تتبعثر في انفعالها، بل يشدها بخيط اخلاقي واضح. هو نص يبني نفسه طبقة فوق طبقة، كأن العاطفة هنا لا تنفلت من العقل، انها تتقدم معه، وتحتكم اليه، وتستمد منه شرعية البقاء.

تبدأ الحركة بتثبيت الموقف: وفاء واستمرار بوصفه قرارا. ثم يفتح النص نافذة الحالة: الذوبان والشوق كاقامة.

اعترافات قابلة للترديد

بعد ذلك ينتقل الى طبيعة العلاقة نفسها: حب مقصود لذاته، كأنه موقف من العالم لا مجرد تعلق بامرأة. ومن هنا تحديدا نفهم مفارقة غياب وصف الحبيبة: لا عينان ولا ضحكة ولا ملامح، ومع ذلك لا ينقص النص شيء من سحره.
مركز الثقل ليس المحبوبة بوصفها صورة، انه الحب بوصفه اختيارا، والوفاء بوصفه هوية. كأن الوصف هنا ترف لا يلزم، او خيانة للفكرة: ان الحب ليس زينة للمحبوب، انه امتحان للعاشق.

هذه التراتبية تجعل الاغنية تتوالد بعقلانية اخلاقية: تحديد ثم توصيف ثم تبرير ثم تثبيت. ومع كل انتقال لا يفقد النص حرارة الانفعال، بل يزيدها تماسكا، وكأن كل خطوة عاطفية تملك سندا من المعنى، لا مجرد اندفاع. لذلك يظل غياب التفاصيل الجسدية عن الحبيبة علامة اسلوبية ودلالية: العاطفة لا تحتاج وجها لتكون صادقة، حين تكون قائمة على موقف.

في البيت الاول يعلن النص مركز الثقل ويحدد العلاقة كاختيار نهائي. وفي البيت الثاني يصف الحالة مع ادخال المقارنة ثم يعيد تثبيت القرار. وفي الثالث يبني شرعية الحب قيميا، قبل ان يختم بتوقيع الهوية الاخلاقية للعاشق.

“ماليش غيرك” ليست عبارة عاطفية فقط، انها قرار اغلاق لكل الابواب ومنحك صفة البديل الوحيد. ثم تأتي “شاري هواك” لتقلب الحب الى صفقة يعرف العاشق خسارتها مسبقا: يشتري حتى لو كان الطرف الاخر يبيع. هنا تعمل مفارقة دقيقة: الحب عادة عطاء، لكنه صار سوقا، وداخل السوق لا يساوم.

بنية تراتبية مستمرة، وقيمية

البيت الاول بيان موقف، لكنه ليس موقفا عاطفيا فقط، انه اعلان حصر وقرار وشرط وجودي:
“ماليش غيرك”. ثم تأتي “شاري هواك حتى ان كان تبيعي” كتصعيد من التعلق الى قبول واع بالمخاطرة: انا ادخل علاقة اعرف ان ميزانها غير عادل، ومع ذلك امضي. هنا يثبت موقفه من دون تجميل المحبوب ورفعه الى مثال، وانما عبر تقديم ذاته كفاعل حاسم يتحمل كلفة اختياره.

في البيت الثاني: “قلبي ذايب” ثم “لحظة عليه الشوق ماهو غايب” يفتحان زمنين متوازيين: الذوبان حالة ممتدة، والشوق حضور لحظي دائم. بهذه الازدواجية ينكسب النص استمرارية نفسية: ليست نوبة شوق عابرة، انها اقامة كاملة داخل العاطفة.

ومن هنا يشتغل التباين: “وكان فيه غيري ع المحبة تايب” جملة فاصلة، لانها تميز بين من يقيم في الحب ومن “يتوب” عنه.

والتوبة هنا، ضمنيا، ليست عفة، انها تخلي، اي خروج من القيمة. ولان الوفاء عنده للحب كقيمة لا للمحبوب كصورة، فهو يهدي عمره للعشق بلا مرارة: لا يتحسر على السنين، انه يصرح بعدم اكتراثه بضياعها، كأن الزمن نفسه يصبح ضريبة طبيعية للاختيار.

في المقطع الاخير ينتقل النص من التقرير الى السؤال البلاغي: سؤال “الاغلى” و”الاحلى” لا ينتظر جوابا، وظيفته تضخيم القيمة عبر النفي الضمني لكل بديل: لا شيء احلى ولا اغلى. ثم يهبط فجاة الى جرح صغير لكنه قاس: حتى لو تركت، فهو لا يغادر موقفه، لانه طبع لا تطبع.

“كنك سليتي خاطري ما يسلى” جمالها في تكرار الجذر (سليتي/يسلى): نغمة داخلية تشد المعنى وتثبته. كأن العبارة تقول: قد تسلو انت عني، اما خاطري فلا يعرف السلوى، قلب عنيد لا يقبل التعويض ولا البدائل.

ثم يأتي تفسير كل شيء في الخاتمة، واهم مفارقة في النص: “طبعي الوفا ماهوش من تطبيعي”.

جملة ذكية اذا قرئت كاعتراف ان الوفاء لم يعد فضيلة مريحة، انه صار واجبا يفرض نفسه على نفس ليست مهيأة له. كأن المتكلم يقول: لست ملاكا، لكني صرت وفيا رغما عني. ومن زاوية اخرى: الوفاء هنا ليس “طبع” بقدر ما هو “تورط” وجودي، وهذا يرفع عمق النص دون افتعال.

تتابع البناء والدلالة

المقطع كله يبني معنى “عدم الندم” عبر ثلاث حركات صغيرة متتابعة:
اولها الاعتراف بان الطريق مكلف: ضياع سنين. ثانيها تحويل هذا الثمن من خسارة الى اختيار واع: السنين لا تذهب هدرا ما دامت ذهبت في جهة واحدة. ثالثها ايصال رسالة تحد هادئ: اذا غيري تاب عن المحبة، فانا لا اتوب، بل امضي حتى اخر العمر.

والاجمل ان هذه الفكرة لا تقدم كبطولة مصطنعة، انها قول عفوي جدا، فيمنحها صدقها: العاشق لا يدعي الحكمة ولا يتفاخر بالتضحية، لكنه يعلن ولاءه لمعادلة واحدة: العمر اذا ضاع فيه فهو مستحق، لان المحبوب عنده يساوي العمر كله.
الحب لا المحبوب: وفاء لا حاجة

غياب وصف المحبوبة هنا ليس نقصا، انه حيلة دلالية مقصودة: النص لا يبني الحب على جمال خارجي ولا على كاريزما حسية، ولا يراكم استعارات جسدية كما تفعل اغنيات كثيرة. هو يبنيه على موقف من الداخل: وفاء، شراء، ذوبان، شوق، واستعداد لتحمل الخسارة. اي ان الحب يقدم كاخلاق وكثبات لا كافتتان شكلي.

حتى الاستعارة الوحيدة “يا زهور ربيعي” لا تعمل كمدح للملامح بقدر ما تعمل كتسمية مرتبطة بالمتكلم: “ربيعي” انا، موسمي انا، زمن انتعاشي انا. الاضافة هنا ليست تملكا، انها تخصيص وجداني: لا يصفها ليعرفنا بها، انه يسميها ليعرفنا به هو وبطريقته في الحب. ولهذا ينسجم الخط كله مع مركزية ذات العاشق: “شارى هواك” “سنيني” “خاطري” “طبعي” كلمات تدور حول نظامه الداخلي لا حول هيئة المعشوقة، كأن النص يقول: انا لا احبك لانك الاجمل، بل لانني اخترتك، ولان الوفاء في داخلي منهج.

احلى واغلى: سؤال يقتل البدائل

وهنا مفارقة ادق: النص يمنح المحبوبة مكانة عالية من دون ان يمدحها مباشرة. قيمتها لا تأتي من قائمة صفات، انها تأتي من حجم الثمن الذي يرضى بدفعه. ليست لوحة جمال ولا جسدا مبهرا، انها “مركز معنى” يستحق ان يضيع العمر حوله دون ندم. الضياع في الحب ليس نتيجة ضعف، انه نتيجة منطق: لان الحب اعلى، ولان البدائل لا تعمل، ولان الانسحاب عند غيره لا يلزمه هو.

والنهاية الصادمة ان هذا الغياب نفسه يفضح السر: المحبوبة ليست موضوعا مستقلا بقدر ما هي اسم لصيغة يعيش بها العاشق نفسه. هو لا يشتري “هي” فقط… هو يشتري تماسكه. وحين يقول “يا زهور ربيعي” فهو لا يناديها وحدها، انه ينادي ربيعه كي لا يذبل.

شن هو احلى؟
ان تبقى وفيا للصورة التي صنعتها فيك.

شاهد أيضاً

عبدالحكيم كشاد

حصاد لمعان الضوء

نهر يلمع كعين الديك يذكر دائما من عبروا ضفافه Manaiounk في هناك أيضا يقف متجر …