ألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

وقتٌ لصحافة مستقلة

زايد…ناقص

جمعة بوكليب

 

 

خلال الأيام القليلة الماضية، أحتفلَ العالمُ، ومن ضمنه بلادنا ليبيا، باليوم العالمي للصحافة. أقيمتْ أحتفالاتٌ في مختلف البلدان. وأُلقيتْ خطبٌ، وتُبودلتْ التهاني، وتعالتْ دعوات الترحم على من فقدوا حيواتهم من الصحافيين. وفي اليوم التالي، عادت الأمورُ، كما هو متوقع، إلى سابق عهدها.

وأن يكون للسلطة الرابعة يومٌ مميز، في العام، عالمياً، تحتفل به الإنسانية، فذلك أمرٌ محمود، بل ومدعاةٌ  للغبطة.  فالصحافة كانت، ولازالت وستظل، مركزاً مهماً من مراكز البناء الحضاري، وتمدين الانسان، وتوسيع مداركه، عبر ربطه بالشأن العام، ومن خلال تزويده  بما يدور حوله وفي العالم من أخبار وحوادث، وتسليط الأضواء لكشف ما يحدث من وقائع في  مكاتب وأروقة الحكومات،  وراء أبواب مغلقة. من جهة أخرى، يحيلنا موضوع الاحتفال بالصحافة، بشكل مباشر، إلى سؤال يتعلق بالأوضاع الصحافية في بلادنا، خلال قرابة سبعين عاماً من الاستقلال، وما وصلت إليه أمورها من سوء أحوال.

ما يمكن أن يطلق عليه وصف الحقبة الذهبية للصحافة الليبية، كانت قصيرة زمنياً، قياساً بغيرها من الدول العربية. وانتهت بنهاية النظام الملكي عام 1969. لكنها كانت حقبةً حيويةً، عرفتْ فيها الصحافةُ الليبية ازدهاراً غير مسبوق، وبرز خلالها صحافيون كبار، ساهموا بدورهم في توطيد دعائم صناعة اعلامية، مازال تاريخها وأثارها، إلى يومنا هذا، مثار اعجاب وغِيرة.  لكنّ البناء الذي عملوا على تعميق وتوطيد أساساته وعلو شأنه، طيلة أعوام، للأسف انهار أنقاضاً، خلال سنوات قليلة، تحت هول ما تلقاه من ضربات، من قبل النظام العسكري. وبانهياره، لم تقم للصحافة الليبية بعده قائمة. وقاد ذلك إلى تشرذم الصحفيين الليبين في المهاجر، ومن ظلوا منهم في الداخل، أختاروا الابتعاد، تاركين الساحة لغزو اعلام عقائدي تبشيري بلا أدنى هوامش، حفاظاً على كرامتهم. وبالطبع، هناك منهم من أختاروا الانضمام إلى الجوقة الجديدة، لأسباب تخصّهم.

الحقبة الذهبية للصحافة كانت تنافسية بين القطاعين العام والخاص. كان هناك ثلاث صحف رسمية حكومية، في طرابلس وبنغازي وسبها. وإلى جانبها تواجدت صحف مستقلة. ذلك التواجد خلق مناخاً تنافسياً ساهم بقدر كبير في تطوير العمل الصحافي، وأسس بنية تحتية صحافية وقرّاء، وكوادر في مجالات مختلفة. بعد نهاية النظام العسكري، شهدنا فترة قصيرة لنشاط اعلامي ملفت للانتباه، قاده القطاع الخاص، لكن بريقه سرعان ما تعرّض للانطفاء. وأعتقدُ، شخصياً، أن الوقت موات جداً، حالياً، لعودة الصحافة المستقلة في الداخل، لتكون جنباً إلى جنب مع الصحافة الحكومية، وعلى أمل ان يكون حضورها فرصة لعودة المناخ التنافسي، واعادة ضخ دم جديد في أوردة وشرايين الصحافة، يُعيدها للحياة، ويعيد ارتباطها اليومي بالقرّاء.

نعم، الصحافة الليبية، في حاجة إلى دفعة نوعية، تخرجها من بياتها الطويل،  بهدف بعثها من جديد بوسائل عصرية، وبلغة تنتمي للقرن الحادي والعشرين. دفعة نوعية تستهدف احداث تغيير في الشكل والمحتوى، والوسائل والأهداف. على أمل تخليصها من القيود والأصفاد التي كبُلتها طويلاً، وحوّلتها، بمرور الوقت، إلى طواحين  تصدر جعجعة تُسبب صداعاً، ولا تقدم للناس طحيناً اعلامياً، يجعلهم يحرصون على شراء وقراءة الصحف، ومتابعة ما تنشره يومياً.

الصحافةُ علمٌ وفن، وضرورة حضارية. وغيابها في أي مجتمع دليل على أنه يعاني حالة مزمنة من فقر دم، ربما لا تقضي عليه، لكنها يقيناً لن تعينه على النهوض، والمساهمة بنصيبه في مسيرة الحضارة الانسانية وتطورها. واقتصار صدور الصحف على أجهزة حكومية يخلق صحافة عرجاء، مثل طير يغنّي وجناحه يرد عليه.  ولا سبيل إلى تقويم العرج إلا بوجود صحافة مستقلة إلى جانبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى