منصة الصباح
لقطة قريبة (بورتريه) للفنان الليبي الراحل وحيد سالم في مرحلة الشباب، يظهر بملامح وسيمة وشعر مجعد داكن، مرتديًا قميصًا أبيض وسترة بنية، ونظرة متأملة تعكس دفء وإحساس الأغنية الرومانسية الليبية
الفنان الراحل وحيد سالم (عندليب الأغنية الليبية) في ريعان شبابه.

وحيد سالم.. عامان على رحيل عندليب الأغنية الليبية

تمر الأيام، وتتعاقب الفصول، لكن قطار النغم الأصيل لا يترجل عن سكة الذاكرة ،  عامان مضيا على ذلك الصباح الحزين من يونيو، حينما ترجل الفارس القدير، محمد سالم الدرولي الورفلي، الشهير فنياً بـ «وحيد سالم»، عن صهوة الحياة عن عمر ناهز 72 عاماً، تاركاً وراءه غصة في حلق الأغنية الرومانسية الليبية ومن عاصروا اغنياته وعاشو قصصا حبا على كلماتها وقد كان نجما شابا وسيما ورصينا، رحل و ترك في مكتبة الموسيقة نغمات وصوتا ينبض بالدفء والوفاء ليبقى جسده في مقبرة الهواري بمدينة بنغازي التي شهدت ولادته ووداعه.

كان وحيد سالم، أو هاني شاكر ليبيا  كما كان يحلو لمحبيه تسميته، يمثل جيل العمالقة؛ ذلك الجيل الذي صهر الموهبة بالالتزام، و اضطرته الظروف والمناخ الاجتماعي آنذاك لإخفاء اسمه الحقيقي (محمد درولي بن قطنش الورفلي)، ليصعد إلى شاشات التلفزيون بملامح وسيمة وإطلالة أنيقة، وصوت دافئ شكّل الملامح الأولى للأغنية العاطفية في سبعينيات القرن الماضي.

من المستطيل الأخضر إلى فضاء النغم

لم تكن بداية الراحل مفروشة بالنوتات الموسيقية، بل بدأت بركض حثيث على عشب الملاعب؛ حيث استهل حياته لاعبا متألقا في صفوف نادي التحدي  ببنغازي، وعرف بين الجماهير بلقب  الدرولي نجم التحدي اللامع ، لكن سحر الموسيقى كان أقوى من جاذبية المستطيل الأخضر، لينضم سريعا إلى فريق الموسيقى بالنادي الذي كان يعج بالنشاط الثقافي.وفي منتصف السبعينيات، التقط الشاعر عبد السلام زقلام موهبة هذا الشاب الأنيق، وقدم له أولى عتبات المجد عبر أغنية  خدعونا حبايبنا  من ألحان الموسيقار إبراهيم أشرف، لتكون الشرارة الأولى التي غيرت مجرى حياته من لاعب كرة قدم إلى مطرب يسكن القلوب.

بالهاتف .. رنين الشهرة العاطفية

شكلت أغنية  بالهاتف مال قلبي لقلبه الانطلاقة الكبرى وحجر الزاوية في مسيرته الفنية؛ حيث صورها التلفزيون الليبي في السبعينيات محققة انتشارا جماهيريا طاغيا تجاوز الحدود الجغرافية. وتوالت بعدها الروائع العاطفية والوجدانية التي صاغت وجدان جيل بأكمله، مثل اغنية نسيتي اليوم وإلا تذكريني ، واغنية إيش يهم خليهم يقولوا ، واغنية خلاص انساني يا ريدي ، واغنية أنا وين وأنت وين ، واغنية موال الغربة  الذي لامس به شجون المغتربين.

ولم يقف عطاؤه عند حدود الغناء الفردي، بل كان رقما صعبا في الملاحم الفنية الكبرى؛ فتركت مشاركته في أوبريت الأرض إلى جوار نجوم الوطن العربي مثل حورية حسن ومحمد رشدي بصمة قومية بارزة، فضلا عن تألقه في ملحمة الصبر وعزوم الرفاقة من كلمات الشاعر عبد السلام قادربوه.

صانع النجوم خلف ميكروفون الإذاعة

في أوج تألقه وشبابه، اتخذ وحيد سالم قرارا مفاجئا بالابتعاد تدريجياً عن أضواء الغناء والتلفزيون، مفضلا الانصراف إلى هندسة النغم والتلحين والإدارة الموسيقية فتولى منصب مدير قسم الموسيقى والغناء بفرع الإذاعة ببنغازي لما يقارب 25 عاماً.

وخلال ربع قرن خلف كواليس الإذاعة، تحول الفنان الراحل إلى “صمام أمان” للأغنية الليبية، حيث أشرف على إجازة الأصوات الجديدة، ودعم الكوادر الشابة، مقدماً للساحة الفنية أسماء لمعت في سماء الأغنية، قبل أن يترجل عن العمل الوظيفي باختياره التقاعد الاختياري.

إرث متجدد يرفض الغياب

رحل وحيد سالم جسدا بعد صراع مرير وطويل وقاس مع المرض، لكنه لم يرحل أثرا؛ فقد ترك خلفه إرثاً متكاملا كملحن بارع صاغ ألحان أغنيات شهيرة مثل  عيونك حلوة ، و صبارين ، و اللوم عليا .

اليوم، وبعد مرور عامين على ذلك الفراق، لا تزال ألحانه وأغانيه تتردد عبر أثير الإذاعات وفي جلسات الطرب الأصيل ببنغازي وكامل ربوع ليبيا، لتؤكد أن المبدعين الحقيقيين لا يغيبهم الموت، بل تصقل ذكرى رحيلهم قيمتهم في ذاكرة الأوطان.

شاهد أيضاً

31 فريقًا يتنافسون على أربع بطاقات نحو الدوري الممتاز

نظام مختلف لتحديد المتأهلين إلى الدوري الممتاز يواصل الاتحاد الليبي لكرة القدم استعداداته لإجراء قرعة …