الأخيرةجمعة أبوكليبرأي

هَلْ تُحبُّ الوردَ؟

زايد.. ناقص

جمعة بوكليب

رَغم أنّ الوردَ بلا لسان، لكنّه يمتلكُ فصاحةً لا يمتلكها بشرُ. يكفي أن تَضعَ باقةً منه في وحشة بيتك، فيشيعُ الأنُسُ في كل أرجائه. تلكَ أعجوبةُ الوردِ، أو بالأحرى مُعجزته، في أزمنةٍ تخلو من معجزات.

في أعوامٍ مَضتْ، كنتُ أُحبُّ أن أؤنس وحشتي، في بيتي، بباقات ورد من أصنافٍ وألوان وروائح مختلفة. وكأني، كل مرّة، كنتُ أسعى لمؤانسةٍ من نوع ولونٍ أجمل، ورائحةٍ أذكى.  لذلك، كنتُ حَريصاً على اقتناء باقةٍ أنيقةٍ كل أسبوع. أحياناً أقتنيها من صنف واحد. وأحياناً أخرى يَطيبُ لي أن أقتني باقة بأنواع وأصناف مختلفة من الورود. لكنّي في فصول الربيع، استبدل تلك العادة بأخرى. إذ بدلاً من اقتناء باقة ورد، أقتني باقة نرجس بَرّي. النرجسُ البرّي يسمى باللغة الانجليزية (Daffodil ). ويظهر في فصول الربيع، وينتشر فى الحدائق العامة، ويضفي على فصول الربيع سحراً لا يُضاهى بتألقه. ولعله أقرب ما يكونُ إلى نوار البقرعون في ليبيا. النرجسُ البرّي بلون واحد: الأصفر. في حين أن البقرعون بألوان عدة. أضف إلى ذلك أن البقرعون بَعْلي، لا يحتاج إلى زراعة.

وللأسف الشديد، فإن علاقتي الودّية تلك بباقات الورد، والنرجس البرّي تعرضت لانقطاع مفاجئ. ولم أعد أتوقفُ، في طريق عودتي إلى البيت، أمام محلات بيع الورود لأنتقي باقة. أسبابٌ عديدة كانت وراء ذلك الانقطاع، وليس في هذه السطور مكان لذكرها. لكنَّ حبي للورد لم ينقطع. وعشقي لمؤانسته ازداد بمرور الوقت، مع اتساع رقعة وحدتي، وافتقادي لصحبة وأنس أصدقاء وأحبة، اختطفتهم مني المنافي، أو سرقتهم مني الموت.

ذلك الصباحُ، عَرجتُ على محلّ قريب من مقرسكناي، للتبضع. عقب انتهائي، انضممتُ إلى طابور لدفع ثمن ما اقتنيت من بضائع، في انتظار أن يحين دوري. كانت البائعةُ امرأة تجاوزت سنّ الخمسين. وأمامي في الطابور سيدتان. دفعتْ الأولى ما طلبتْ منها البائعةُ من مال لقاء مشترياتها، وحين همتْ بالمغادرة، أهدتها البائعةُ مجاناً باقة صغيرة من النرجس البرّي، هديّة من المحلّ. وتكرر نفس المشهد مع السيدة الأخرى. وحين حان دوري، ودفعتُ ما طلبتْ منّي من مال ثمناً لمشترياتي، أنتظرتُ أن تهديني باقة نرجس برّي مجاناً. لكنّها بدلاً من ذلك سألتني: هل تحبُّ الوردَ؟ فاجأني السؤال. لم أفُه بكلمة. فقط، اكتفيت بهزةٍ عمودية من  رأسي. منحتني باقةً، وغادرتُ.

في الطريق إلى البيت، أعدتُ الموقف في ذهني، متسائلاً : لماذا حرصت البائعة على سؤالي، ولم تقم بسؤال السيدتين قبلي؟ هل، مثلاً، لاحظت وجود علامة في وجهي تشير إلى إمكانية عدم حبي للورد؟ أم أن البائعة من خلال ارتيادي للمحل، تعرفتْ عَليَّ، ولم يسبق لها  أن رأت باقات ورد ضمن قائمة مشترياتي من المحلّ؟ هناك، أيضاً، احتمال آخر لا أحبه. وهو إمكانية أن يكون لدى البائعة تصور بأن الزبائن أمثالي، من غير الأوروبيين، لا تربطهم علاقة بالزهور والورود؟  والحقيقة، هي أنني وجدت نفسي أميل إلى تصديق الاحتمال الثاني. وهو أن البائعة لم تلحظ في الماضي وجود علاقة بيني وبين الورد، من خلال قوائم مشترياتي السابقة. لكن حتى هذا الاحتمال  لا يمنحها حق سؤالي ذلك السؤال الغريب.  بل وحتى على افتراض أني لا أحبُّ الوردَ، فليس من حقها أن تسألني. إذ لو كنتُ كذلك، لكان بالإمكان جداً اعتذاري عن قبول الهديّة، والانصراف.

تمنيت لو قلتُ لها بالعربية مُداعباً: ” قلبي إيفافْ على التيفاف، زاد ارياف على الحُمّيضة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى