منصة الصباح
​الفنانة التشكيلية والفوتوغرافية الليبية هند الراشدي تقف مبتسمة بين لوحتين من أعمالها الفنية التشكيلية ذات الألوان الزاهية والأشكال التجريدية، خلال مشاركتها في معرض فني يدمج بين التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي
​التشكيلية الفوتوغرافية هند الراشدي تتوسط أعمالها الفنية

التشكيلية الفوتوغرافية هند الراشدي: الصورة تقول ما حدث.. واللوحة تسأل ماذا فعل ما حدث بنا؟

الصباح / خاص

بين ما تلتقطه العدسة وما تستنطقه اللوحة، تبحث التشكيلية الفوتوغرافية الليبية هند الراشدي عمّا تتركه الأحداث فينا، وما يعجز المشهد عن قوله. من تأسيس «تاسيلي»، مساحةً للاختلاف والتجريب، إلى معرض «ما بعد الآن»، الذي جمع الصورة الفوتوغرافية باللوحة التشكيلية لمقاربة آثار إعصار دانيال في درنة، تنشغل الراشدي بالذاكرة والفقد وما يصرّ على البقاء. في هذا الحوار، تتحدث عن عين غيّرها دانيال، ومدينة لا تختصرها الكارثة، وفن لا يستعيد ما رحل، لكنه يمنح ما تبقى فرصة لأن يُرى من جديد.

​شواهد المكان والذاكرة: درنة بعين التشكيلية الفوتوغرافية هند الراشدي

حين تضيق الكلمات

هل تلتقطين الصور لما ترينه، أم لما تعجزين عن قوله؟

أعتقد أنني ألتقط الصور لما أراه، ولما أشعر أن الكلمات عاجزة عن احتوائه. أحيانًا تكون الصورة محاولة لقول شيء لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات، وأحيانًا تكون محاولة لفهم شيء لم أتمكن من فهمه بعد.

بالنسبة لي، التصوير ليس مجرد توثيق لما يحدث أمامي، بل هو شكل من أشكال الإصغاء للعالم. أبحث في التفاصيل الصغيرة، في الوجوه، وفي الأشياء التي قد تبدو عادية أو عابرة، لكنها تحمل في داخلها حكايات لا تُقال بسهولة.

ربما ألتقط الصورة لأنني أخشى أن يفلت شيء من الذاكرة، أو لأنني أشعر أن هناك أثرًا يستحق أن يبقى. فالصورة، في جوهرها، ليست ما نراه فقط، بل ما نختار ألّا نتركه يختفي.

جانب من أعمال الفوتوغرافية التشكيلية هند الراشدي

العدسة تعيد اكتشاف المألوف

ما الذي تستطيعين رؤيته خلف العدسة ولا تستطيعين رؤيته بعينيك المجردتين؟

العدسة لا تمنحني بالضرورة رؤية مختلفة بقدر ما تمنحني فرصة للتأمل في الرؤية نفسها. حين أنظر من خلالها، أتعلم أن أبطئ إيقاع النظر، وأن أمنح الأشياء وقتًا أطول مما تمنحها لها الحياة اليومية.

بعينيّ المجردتين، قد أرى شارعًا أو وجهًا أو بيتًا قديمًا، لكن خلف العدسة أبدأ في رؤية ما يتجاوز الشكل: أثر الزمن، ووحدة المكان، وما تركه الغياب على ملامح الأشياء.

أشعر أن العدسة تساعدني على اكتشاف ما اعتدت رؤيته حتى كففت عن الانتباه إليه. إنها تجعل المألوف غريبًا من جديد، وتمنح التفاصيل الصغيرة حقها في الظهور.

ومع ذلك، لا أعتقد أن الكاميرا ترى بدلًا عني؛ هي فقط تكشف لي حدود رؤيتي، وتذكّرني بأن ما نراه ليس الحقيقة كاملة، بل جزء منها، يتشكل وفقًا لما نحمله داخلنا من ذاكرة وأسئلة وتجارب.

«تاسيلي».. مساحة تتسع للاختلاف

حين أسستِ «تاسيلي»، ماذا كنتِ تبحثين عن مكان لكِ أم مساحة للآخرين؟

أعتقد أنني كنت أبحث عن الاثنين معًا. كنت أبحث عن مكان يستطيع الفن أن ينمو فيه بحرية، وعن مساحة تمنحني، وتمنح الآخرين، فرصة للتجربة والتعبير بعيدًا عن القوالب الجاهزة والتوقعات المسبقة.

لم تكن «تاسيلي» بالنسبة لي مجرد مؤسسة أو مكان لاحتضان الأنشطة الفنية، بل كانت استجابة لحاجة شعرت بها، وربما شعر بها فنانون آخرون أيضًا: الحاجة إلى مساحة نلتقي فيها، ونتبادل الأفكار، ونخوض التجارب، ونمنح الأسئلة مساحة أوسع من الإجابات.

كنت أؤمن بأن الفن لا يحتاج دائمًا إلى بنية مكتملة كي يبدأ، بل يحتاج أولًا إلى الإيمان بإمكانية البدء. ومن هنا جاءت «تاسيلي» كتجربة تتشكل باستمرار، وتتعلم من الأشخاص الذين يمرون بها، ومن المدينة التي تنتمي إليها.

لم أكن أريد أن أصنع مكانًا يشبهني بقدر ما أردت أن أصنع مكانًا يتسع للاختلاف، ويمنح الآخرين فرصة لاكتشاف أصواتهم الخاصة. وربما كانت «تاسيلي» طريقتي في تحويل المساحة التي تمنيت وجودها إلى مساحة مشتركة، لا تخص فردًا واحدًا، بل تنتمي إلى الجميع.

أن تكوني فنانة لا حارسة للتجارب

كيف تحمين تجربتك الفنية من أن تبتلعها مسؤولية إدارة المكان الذي أسستِه ليحتضن تجارب الآخرين؟

لا أستطيع القول إنني نجحت دائمًا في تحقيق هذا التوازن. فإدارة مساحة ثقافية تحمل مسؤولية كبيرة، خصوصًا حين يكون المكان نفسه مشروعًا تؤمنين به، وتريدين له أن يستمر ويمنح الآخرين فرصًا حقيقية.

أحيانًا تستحوذ تفاصيل التنظيم والتخطيط والمتابعة على الوقت والطاقة اللذين تحتاجهما تجربتي الفنية الخاصة. وهنا أجد نفسي أمام سؤال مهم: كيف أظل فنانة، وأنا أعمل باستمرار على تهيئة الظروف التي تسمح للآخرين بممارسة الفن؟

أحاول أن أتذكر أن «تاسيلي» لم تُؤسَّس لتكون بديلًا عن تجربتي الفنية، بل امتدادًا لإيماني بدور الفن في المجتمع. لكن هذا لا يعني أن أذيب صوتي الشخصي داخل مسؤولياتي، أو أن أؤجل أسئلتي الفنية إلى أجل غير معلوم.

أعتقد أن التحدي الحقيقي هو أن أتعلم كيف أكون جزءًا من المشهد الذي أعمل على بنائه، لا مجرد شخص يدير تفاصيله من الخارج. وأن أترك لنفسي مساحة للبحث والتجريب والفشل أيضًا، لأن الفنان الذي يتوقف عن طرح الأسئلة على تجربته قد يتحول، من دون أن يشعر، إلى مجرد حارس لتجارب الآخرين.

درنة.. ما يصرّ على البقاء

بعد دانيال، هل تغيّرت الأشياء التي تستحق أن تُصوَّر في نظركِ، أم تغيّرت العين التي تنظر إليها؟

أعتقد أن ما تغيّر هو الاثنان معًا؛ الأشياء التي تستحق أن تُصوَّر، والعين التي تنظر إليها.

بعد دانيال، لم تعد درنة بالنسبة لي مجرد مدينة أعرف شوارعها وبيوتها ووجوهها. أصبحت مكانًا يحمل طبقات من الفقد والغياب والذاكرة، وأصبح النظر إلى تفاصيلها اليومية محمّلًا بأسئلة لم تكن حاضرة من قبل بهذه الكثافة.

تغيّرت علاقتي بالأماكن، لأنني أدركت بصورة أكثر قسوة أن ما نعتقد أنه ثابت يمكن أن يصبح مهددًا بالاختفاء في لحظة. البيت لم يعد مجرد جدران، والشارع لم يعد مجرد طريق، والشجرة لم تعد مجرد جزء من المشهد؛ كل شيء أصبح يحمل احتمال الفقد، ويحمل في الوقت نفسه قيمة البقاء.

لكنني لا أريد أن أختزل درنة في الكارثة، أو أن أجعل دانيال الصورة الوحيدة التي تُرى المدينة من خلالها. فدرنة أوسع من جرحها، وأعمق من لحظة انهيارها. فيها حياة تقاوم، وذاكرة تستمر، وأناس يحاولون إعادة بناء علاقتهم بالمكان رغم كل ما حدث.

ربما أصبحت عيني أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يختفي، لكنها أصبحت أيضًا أكثر انتباهًا إلى ما يصرّ على البقاء. لم يعد التصوير بالنسبة لي محاولة لتسجيل الخراب وحده، بل محاولة لرؤية الحياة وهي تبحث عن طريقها وسط الخراب.

بين شهادة الصورة وأسئلة اللوحة

في معرض «ما بعد الآن»، كيف واجهتِ المسافة بين ما تستطيع الصورة الفوتوغرافية قوله وما تحاول اللوحة التشكيلية استعادته؟

في «ما بعد الآن»، لم أتعامل مع التصوير الفوتوغرافي والرسم باعتبارهما وسيلتين متنافستين لتمثيل الواقع، بل باعتبارهما لغتين مختلفتين تحاول كل منهما الاقتراب من تجربة يصعب الإحاطة بها كاملة.

الصورة الفوتوغرافية تستطيع أن تمسك بلحظة محددة، بوجه شاهد، أو بأثر مادي تركه الحدث في المكان. إنها تمنحنا دليلًا بصريًا على أن شيئًا ما حدث، وأن هناك أشخاصًا عاشوا تلك اللحظة. لكنها، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تنقل التجربة الإنسانية بكاملها، ولا أن تكشف كل ما يدور داخل الإنسان الذي يقف أمامها.

أما اللوحة التشكيلية، فتمنحني مساحة أخرى للتعامل مع ما لا يظهر مباشرة؛ مع الخوف، والارتباك، والذاكرة، والأثر النفسي الذي يتركه الفقد. إنها لا تسعى بالضرورة إلى إعادة إنتاج ما حدث، بل إلى استعادة ما تركه الحدث في داخلنا.

كانت المسافة بين الصورة واللوحة مساحة للحوار، لا فجوة ينبغي ردمها. فالصورة تستطيع أن تقول: هذا ما حدث، بينما تستطيع اللوحة أن تسأل: ماذا فعل ما حدث بنا؟ وكيف بقي فينا بعد أن انتهت اللحظة؟

ومن خلال الجمع بين الوسيلتين، لم نكن نسعى إلى تقديم رواية مكتملة عن الكارثة، بقدر ما كنا نحاول فتح مساحة تتجاور فيها الشهادة مع التأمل، والواقع مع الذاكرة، وما يمكن رؤيته مع ما يصعب التعبير عنه.

حياة لا يعرّفها الفقد

هل كان «ما بعد الآن» محاولة لفهم ما حدث، أم بحثًا عن شكل فني يمكن للحياة أن تبدأ منه مجددًا؟

أعتقد أنه كان الأمرين معًا، وربما كان البحث عن إمكانية الاستمرار هو السؤال الأعمق بينهما.

لم يكن «ما بعد الآن» محاولة لتقديم تفسير نهائي لما حدث، لأن بعض التجارب أكبر من أن تُختصر في إجابة، وبعض الخسارات لا تصبح مفهومة لمجرد أننا وجدنا الكلمات المناسبة لوصفها. كنا نحاول الاقتراب من التجربة، والإنصات إلى آثارها، ومنح الذاكرة مساحة تستطيع فيها أن تظهر من دون أن تُفرض عليها رواية واحدة.

لكن المشروع لم يكن أيضًا استسلامًا للحزن أو إقامة دائمة في الفقد. كنت أؤمن بأن الفن يستطيع أن يخلق مساحة نعيد فيها النظر إلى أنفسنا وإلى علاقتنا بالمكان والآخرين. ليس لأنه يمحو الألم، بل لأنه يساعدنا على مواجهته، وعلى تحويله من تجربة معزولة داخل كل فرد إلى تجربة يمكن مشاركتها والتأمل فيها.

بالنسبة لي، لم يكن معنى «ما بعد الآن» أن ما حدث أصبح وراءنا، أو أننا تجاوزناه بالفعل. فكلمة «ما بعد» لا تعني دائمًا نهاية ما سبقها؛ أحيانًا تعني أننا ما زلنا نحاول فهمه، وأن الماضي يستمر في العيش داخل حاضرنا.

أما «الآن»، فهو اللحظة التي نملك فيها إمكانية الفعل، مهما كانت محدودة. اللحظة التي نستطيع فيها أن نعيد بناء علاقة مع المكان، وأن نستعيد حقنا في الحلم، وأن نبحث عن أشكال جديدة للتعايش.

لذلك، لم يكن المشروع محاولة لإعادة الحياة إلى صورتها السابقة، بل للتفكير في الحياة التي يمكن أن تنشأ بعد كل هذا. حياة لا تنكر ما فقدته، ولا تسمح للفقد بأن يكون تعريفها الوحيد.

أؤمن بأن الفن ليس ترفًا يأتي بعد أن تنتهي الأزمات، بل حاجة إنسانية تساعدنا على فهم ما نمر به، وعلى استعادة شيء من قدرتنا على التواصل مع أنفسنا ومع الآخرين. وربما لا يستطيع الفن أن يعيد ما رحل، لكنه يستطيع أن يمنح ما تبقى معنى، وأن يفتح نافذة صغيرة نحو ما لم يولد بعد.

شاهد أيضاً

تصميم احترافي لفريق الاتحاد الليبي لكرة السلة المتوج بلقب بطولة دمشق الدولية يضم اللاعبين والمدرب والجهاز الفني

الاتحاد يتوّج ببطولة دمشق الدولية لكرة السلة على حساب الاتحاد السكندري

 كتب: علي العبار تُوّج فريق الاتحاد الليبي لكرة السلة بلقب بطولة دمشق الدولية، بعد فوزه …