ألرئيسيةاستطلاعاتالثقافية

هل العزلة بقرار مسبق تُعزز من شغف المبدع أم تساهم في إجهاضه ؟

 

إستطلاع : مهنَّد شريفة

في امتداح العزلة يخبرنا العالم الكبير “توماس إديسون” أن أفضل أشكال التفكير تكون في العزلة وأسوئها ما يكون في الزحام، إذًا نفهم أن العزلة ضالة المبدع التي ينشدها ويبذل مساعيه لتحقيق أقصى وجه منها ويدفع في سبيل ذلك أثمانًا باهظة كي يحرص على اتقاد جذوة فكرته من احتمالات الضوضاء وفوضى الزحام العارم، تحت هدأة سماء لا يُعكّر أرجاءها سوى حفيف شجر متقطع أو قطرات ندىً تنساب على الأديم، فهذا المبدع لا يستطيع أن يواجه ذاته ويعارك شخوص أعماله إلا بفكرة الذهاب بعيدًا وبعيدًا جدًا خارج التوقع الملموس يوارب الأبواب خلف خطواته ولا يكترث بالتهم المُكالة إليه تارة بالجنون وتارة أخرى بالجُبن، إنه وسط عزلته يستنطق الأشياء من حوله يقدح النار في سطر خامد ويُعجّل بقصيدة طال مخاضها ..العزلة تمنح المبدع قرار السيطرة على ذاتيته والوقوف إزاء المرآة عوض تحطيمها، لتلتئم الحقيقة المتشظية بين يديه .

وفي ضوء المعطيات الجارية وما يواجهه العالم منذ أشهر من خطر استشراء جائحة كورونا المستجد، الأمر الذي أعاد خلط الأوراق وأربك عقول الجميع فتمخضت عنه ظروف قد تكون عارضة وتنجلي بإنحسار الجائحة وقد يكون لها آثار بعيدة المدى تنعكس على سلوك الأفراد والجماعات في السنوات اللاحقة..ومن هذا المنطلق إرتأينا البحث في الطقوس التي دُفع إلى ممارستها الكاتب والمبدع بوجه عام جراء فرض إجراءات الحجر الصحي التي إتخذتها أغلب حكومات العالم، وطبيعة هذه الطقوس وهل العزلة إذا ما فرضت على المبدع تكون مستساغةً بحكم بحثه الملحاح عنها الذي يرقى للشغف..وماهي أبرز السلوكيات التي أقلع عنها وتلك التي أقبل عليها ؟ وما المجهول الذي اكتشفه في شخصيته ؟ وكيف يصرف ساعات يومه وهل تدبر طرائق بعينها واجه بها مساحة الفراغ الشاسعة ؟ سنحاول عبر هذا الإستطلاع أن نلج إلى عمق تجربة المبدع مع ظروف عزلته ونُضيء على أهم تفاصيلها …

سونيا الفرجاني: شاعرة وكاتبة تونسية

“خذ الحياة بقوة…”

في مقالة شهيرة لفرجينيا وولف بعنوان:”غرفة تخص المرء وحده”،حول النساء والكتابة،” بدى الحديث في الأمرصعبا جدا، واتضح أن فيه عائقا قاتلا”.

قالت: على المرأة أن تمتلك بعض المال وغرفة تخصها وحدها إذا أرادت الكتابة ،وهكذا سوف تٌترك المشكلة لمسألة طبيعية .المرأة وطبيعة  كتابة الأدب،الحقيقة هي مسألة بلا حل.”

هي فعلا مسألة بلا حل ولا مجال فيها لعزلة آمنة،كثيرا ما توقفت عند هذه المقولة العملاقة لأني أدركت أنها تكشف مأزقا حقيقيا ومستمرّامهما اختلفت مسالك  العزلة أو تعددت.

اليوم في هذه الظروف الخرافية التي رسمتها لنا جائحة كورونا صارت العزلة  المنشودة مطلبا مضحكا أو وضعا مفزعا أو هي حالة ثقيلة وجدت  نفسي  مدفوعة  إليها .ليست هذه الوحدة التي نختارها ونبحث عنها ونتصيدها لنعيش حالاتنا القصوى مع بياض الورق وألوان التجلي.

هذه عزلة مشلولة أو ناقصة،مكتظّة وهشّة فيها مجموعة من الأصوات الموازية والحركات المتنافرة،عزلة مشتركة،غير حرّة.

وضع جماعي ،تكتّل بشريّ غريب لم يحدث من قبل.

مجرد أن تصير عزلتك مفروضة تصاب بحالة قلق وأرق  وتفقد هدوءك المتربص بك .تنتهي السكينة  وتصاب بصخب عالمي يواكبه طنين حيرة وخوف وهلع ودوامات ترسم في الفراغ المفتعل مشاهد الموت وتشظي القيم في مناطق من العالم جعلت الموت اختيارا لا قدرا.

في هذه العزلة الضريرة ،تعكر مزاج الرؤية واختنق المشهد البعيد في مخيال المبدع حتى اختزل العالم في نقطة واحدة وصوت واحد وغد واحد.

كابدت كل هذه التفاصيل الخانقة بعسر كي أكون نقطة القوة في بيت أحبه وأسرة أهبها وقتي  حتى حينما تكون الخلوة ضرورة وأتركها لأجلهم.

لم أستطع أن أسير نحو طقوسي بهدوء فتجمّع العائلة في مكان وزمن مشتركين يجعل الكتابة عندي متعطلة.

العالم مخيف والكائنات الآن تواكب رحلتها الأعسر عبر التاريخ وهذه الصورة تسيطر على مسار الخرافات القادمة ووقائع التاريخ.

هل سنكتب هذا بحيادية أم بذعر أم بافتعال وانفعال؟

المسألة أكبر من هذا في اعتقادي وفكرة أن العالم يتجه مستقبلا  نحو الأفضل مسألة مشكوك فيها.

بالنسبة لي عشت مع المجهول الشريد داخلي وسجنته بين الحجر والزجر لأن ّفي اليوميّ الفارط من حياتي كانت تفاصيل جميلة لم أستطع الاعتناء بها رغم ولعي بالتفاصيل .

كانت زحمة السير تؤرقني ومشاوير كل يوم تفزعني ، ظننتها تشغلني عن قصيدتي .لقاءات الطريق العابرة مع الجارات والاصدقاء تخنق رزنامة وقتي،

كنت جبانة ولم أنتبه أن تلك المشاوير  البسيطة الموسومة بالحرية واليومي الجميل،بدت لي لحظات مسروقة من وقتي الخاص بالشعر وعشت أركض كل يوم بين أمومتي وشؤوني والتزاماتي وعلاقاتي الأسرية الضرورية والواجبة ،عشتها على أنها واجبات واكتشف اليوم أنها مستوجبات وضرورات لا يمكن للقصيدة ان تتكون خارجها،ولا يمكنني أن أسعد بفقدانها.

اليوم في هذه العزلة الغامضة صار لكل جزء من المعاش قيمته التي تكال بمعيار الذهب  وبتنا ننتظر لحظة الحرية التي لم ندرك مراياها الحقيقية إلا حين سلبت منا واتضحت صورتها العملاقة أمامنا اكثر جلاء ووضوحا.

كانت نظرتنا للسعادة غائمة،صارت أكثر وضوحا وأبعد دلالات.

عنفوان فؤاد : شاعرة ومترجمة جزائرية

“العزلة تحيي، الانعزال يقتل”

إذا كنت من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، مم المستحيل أنك لم تصادفك باستمرار مفردة “الجائحة” والتي اجتاحت بدورها العالم واللّغة قولاً وفعلاً. عادة ما تكتب(بلون أحمر مع رقم 19).

للأسف لم يعد يهم القارئ تقصي الحقيقة ولا التحقق من مصادر الخبر، فالصور ومقاطع الفيديو المبهمة أصبحت بديلا عن اللغة وهي تتصدر المشهد العالمي. لكن في كثير من الأحيان ما يُساء ذكر أعداد الضحايا سواء من كانوا قد فارقونا أو ظلوا قيد العدوى.

تلك الأرقام والتي كانت ستبدو أكثر مصداقية لو كانت قادمة من أفواه أطباء ومسؤولين وصحفيين موثوق بهم. إلا أن الراعي الرسمي لهذا “الفيروس التاجي” تناقلته الأكاذيب ووجوه الميديا من فنانين ويوتوبيرز ورياضيين أكثر من غيرهم والسؤال المطروح متى تنقلوا لتزويدنا بتلك المعلومات في كلتا الحالتين هم مصدر شك وطعن، إن تنقلوا هذا يعني أنهم لم يلتزموا بالحجر الصحي المفروض علينا جميعاً بقرار منظمة الصحة العالمية وإن لم يتنقلوا من أين استقبلوا تلك الاملاءات أو الرخصة للحديث مع الخوض فيما هو ليس من اختصاصهم!

“فقط عندما يعم الظلام بشكل كامل، يمكنك رؤية النجوم”

من السهل التحقق من هذا الأمر، فإسقاط هذا الاقتباس على جوانب عديدة من حياتنا. طالما أن الأعمال الكاملة تسبقها عدة ليال لم يعرف النوم طريقه إليك، أيضا تعرف قيمة الشيء بعد فقده أو عندما توشك على خسارته. الخسارة هنا لا تقيم لأنها تعكس مكانة أب، أم، أخ، حبيب، صديق، شخص مهم نطمئن بوجوده…

الخسارة تشمل ذاتك، مغادرة الحياة دون سابق إنذار حتى أنك تحرم من دق الطبول أو هز الأجراس دون تلويحة لمن سيعز عليهم فراقك. دون كتابة وصية أو أن تحظى بحضن أخير، قبلة أخيرة، كلمة وداع حارة..

إذن لاستدراك النجوم التي تكاد تخفت من سماء الأمل عليك أن تكون مرشدا لذاتك، عليك أن تطفىء جميع الأصوات البراقة المخادعة والاصطناعية، أن تخرج منك نورك الحقيقي الذي سينعكس على أعمدة بلور تتدلى من سقف روحك، حتماً تلك النجوم ستكون ناصعة الحقيقة.

“العزلة تحيي، الانعزال يقتل”

كلمة عزلة غير محددة تماماً مثل كلمة “ماء” أو “برتقالة”

إنما هي دعوة للتنقل بين عوالم داخلية وخارجية..

ثمة شعرة رفيعة بين المعنيين، العزلة والانعزال، فالأولى تكون اختيارية بطلب من الذات للاكتفاء بالأنا وإعادة رسكلة المخيلة بما تحتويه من أجل نتاج ملفت وإبداع يثير إهتمام الآخر.

أما الثانية فهي مفروضة بشكل إجباري تحت وطأة الأمر، القهر، القمع، واسقاط تلك الرغبة الاختيارية بين العودة أو المكوث.

إنها لمحنة عظيمة أن تقتاد كنعجة إلى إسطبل، أن يتم عزلك كأي آفة أو شبهة تشكل خطراً على الآخرين وبالتحديد الطبيعة.

جميعنا يعرف بأن العزلة بعمر الشباب مع فورة الدم الذي يتدفق في شرايين التجربة والمغامرة تكون مؤلمة وشاقة بل مهدرة لتلك الطاقة العجيبة. أما بتسلقنا جذع النضج والاتزان، تصبح العزلة مثمرة بل محببة وفيها شيئًا من السلام الروحي.

وعليه، العزلة إما خلاّقة أو قاتلة، ثمة شَعرة صوت

عليك الإمساك بها، لتنجو منك.

أما مَن يعيشونَ لأنفُسِهم لا يحسّونَ بالعزلة، ولا بمن هم حولهم، أنا من ضمن هذه الفئة التي تعيش عزلتها الاختيارية منذ البداية قبل فرضها بدعوى الحيطة والخوف.

مطلقاً لم تؤثر علي وطقوس عزلتي كما هي أقبل عليها فتقبل علي، أرتب اهتماماتي ومعها أفكاري وما يمكن أن أقدمه للقارئ على وجه التحديد.

مفهوم العزلة في قاموسي الحياتي، هي أن أجلس وراء مِقود الصمت وأراقب من المرآة الجانبية سرب ظلال يحلق بالاتجاه المعاكس للحياة، وقد نصبت لها فخاخا، ما علق بالنقطة العمياء أمسكتُ بجناحيه، خلصته من شباكي ثم حررته في أرض الكتابة. ما شردت عنه واصل التحليق في سماوات أخرى.

كم أشفق على المتشبثين بعاداتهم وتنقلاهم بين فضاءات التسوق، الهوس بالموضة، الذين يحجون طوال السنة إلى المهرجانات والملتقيات، والسهر والعديد من العادات التي بين عشية وضحاها طارتْ من بين أيديهم بل منعوا من مزاولتها فوجدوا أنفسهم بين أربعة جدران وجهاً لوجه مع الضجر، مع الملل، مع اللاشيء..

الانعزال المفروض عالمياً أطاح بالأفراد قبل المؤسسات، أطاح باﻷخلاق والعلاقات قبل الإقتصاد والسياسة

لهذا يجب استدراك الأمور والغفلة المدفوعة الثمن من أعمارنا التي سرقت المزيد والمزيد..

أن تطهّر العزلة روحَ المرءِ وحياته قبل يديه وثيابه، وهذا نداء إلى كل شخص يواجه الوحدة بكل أشكالها الاجتماعية والافتراضية، عليه أن يتحلى بالفكر والفن والموسيقى، ﻷن حمل هم قرار الإفراج متعب كذلك اقتطاع تكلفة الليل والنهار من عمرك بلا شيء أو عائد لأمر مفزع

خالد الشبيهي:شاعر ومترجم مغربي مقيم في فرنسا

العزلة حيوان شرس، ذو أنياب حادة، و آثار دم على وبره تأبى أن تزول. سنوات من الترويض وها هي ذي الآن بلونها المرقط في البيت كسحلية تحسن التخفي، تصعد فوق الكتب القليلة وفوق الكنبة، تمضي معي للمطبخ لغسل الصحون بل ترافقني أيضًا لرمي الازبال في القمامة. نأخد المصعد معا فتسبقني إلى البيت. تموء كقط، يزعجها الأطفال بضجيجهم، وأحيانا  يجرون ذيلها، فسرعان ما تعود  لطبيعتها الشرسة. ولاستلطافها، يقدمون لها بعض الطعام، لكنها لا تأكل سوى من يدي ككلب وفي.

رغم كل شيء، لا يمكن أن نستأمنها مهما حصل، فهي كحيوان سيرك يمكن أن ينقض في لحظة مجنونة على مروضه أمام ذهول الجمهور الذي لا يفهم لماذا.

“نحتاج بعض اللحم والبيض والدقيق” تقول أختي الصغرى حنان: التي أقاسمها البيت مع أبنائها، منذ شهور  قليلة. أخرجُ للتبضع، أشير للعزلة برأسي، نخرج سويا. فأنا لا يمكنني أن أستأمن أحدا عليها. نصعد الحافلة، أؤدي ثمن تذكرتين، لي ولها، بعد ساعة نعود أدراجنا محملين بأكياس ملونة كقوس قزح. تنظر إلي باستغراب واستعطاف:

” لا أحبكَ بهذه الكمامة، تبدو لي كلص. وما هذه العادة الغريبة المتمثلة في غسل اليدين كل مرة؟ هل أنا قذرة لهذا الحد؟ نحن صديقان منذ مدة. قل لي: “لماذا لم نعد نذهب معا إلى المكتبات، وعند بائعي الكتب المستعملة، إلى الخزانات؟

أحب رائحة الكتب في مركز “بومبيدو” ومكتبة “لافونطين”

لماذا لم نعد نذهب إلى حانة (القط الأسود) في زقاق “سان دوني”؟

زياد صاحب الحانة طيب والقط  يذكرني ببودلير.

لماذا لم نعد نتمشى ليلا في المدينة من “شاتلي” إلى محطة “سان لازار” قبل أن نأخد معا قطار الضاحية. متى سيرفع هذا الحجر، لألتقي بأخواتي. وسط الحشود؟

إقرأ علي قصيدة (العزلة) لبودلير، إنه شاعري المفضل. لقد تحدث عنا جيدا..  لماذا لا تترجم قصائده بدل مشاهدة الفيديوهات السخيفة عن الفيروس، وإحصاء عدد الموتى، لن أزعجك. يمكن أن تسألني عن كلمة غامضة استغلقت عليك أو أقلب صفحات كتابك الضخم…

هيّا، صب لي كأس نبيذ. ما شأني أنا  إن كنت انقطعت عن الشرب. أي غباء هذا أن لا يشرب المرء في باريس! ليس الخمر من قتل “بودلير” وليست جدتي الكبرى ولا الكورونا. إنه الزهري، أغلب أصدقائك ماتوا بالزهري. ياله من اسم!

لماذا لا تكتب عني أنت أيضًا كما هي العادة هذه الأيام وتفضح حياتي وحياتك، كيف تسهر الليل وسط كومة من الأوراق. تتحدث إلى حبيبتك البعيدة في الهاتف، تترجم قصيدة أو قصيدتين، لم أعد أطيق “آلان بوسكي” مللت كلمات: الندى، اللازورد، أشجار الجميز، الله. تنام إلى منتصف النهار. تغسل وجهك ثم تجلس أمام كتابك الذي يشبه الكتاب المقدس. قل عني ما شئت، قل إنني حيوان شرس، قل عني مومس. قل عني سيئة المزاج وحادة الطبع. أما أنا، فلن أتحدث عنك بأي سوء كما فعلت هنا. ولن أكشف أسرارك. لا تنس أن تبلغ سلامي لأصدقائي في ليبيا. فأبناء عمومتي هناك. رفقة شعراء طيبين أنهكتهم الحروب. ولا بأس إن وقعتَ هذا النص باسمك فقط، فلقد تعودت على الخذلان”.

منى وفيق: شاعرة وقاصة مغربية

أغبط الذين يعتبرون “جائحة كورونا” أكبر أزماتهم، لستُ أصنفها من الأساس كأزمة .. بالنسبة إلي وقياسا بما شهدته في حياتي هي لا ترقى لمستوى أزمة حتى.. هذا الحجر الصحي لم يضف إلي ولم ينقص شيئا يُذكر.. كنتُ كائنا كان يحلم بمد من البشر يتعبون له وبه مثلما دأب هو على الفعل مع كثيرين، نعم بمد

منهم لا ينتهي.. كان ذلك الأخضر الذي حلمت به وليتني ما حلمت، النار الخضراء قد تسبب أذى أكبر لهذا ثقبت الحلم الأخضر بأول دبوس عثرت عليه في الأرض. و أنا أتمشى، إنني أتمشى وأنا أنظر إلى الأرض، لم تعد الناس توقع المال بل الدبابيس وهذا ما تعلمته من العزلة الاختيارية التي كانت ضربة استباقية لكل جائحة محتملة ككورونا مثلاً..

تعلمت أن أمشي و أنا أنظر إلى الأرض لألتقط الدبابيس أو الإبر عوض التحديق في الوجوه، تمريناتي على الوحدة كانت قاسية جدا.. في الأيام الأولى لعزلتي قبل 3 سنوات ونيف، وفي غرفتي الكبيرة التي كانت تشبه “المايكرويف” كانت تنفذ أشعة الشمس  إلى عظامي وشراييني وتحرقني، كان صوت العصافير ينقر قلبي وروحي بوحشية وكنت أختنق ولنقل أنني خرجت من الأيام الأولى بفوبيا نفاذ الأوكسجين مع العلم أنني مريضة بربو مزمن.. التمرين على الوحدة كان صعبا وقاتلا في البدايات، بعد ذلك جربت أن أضيع وسط الناس أو في حياة صاخبة جدا ليس لشيء إلا لأعود و أختبر قدرتي على الانعزال وكان ثمة في كل مرة ثقب في مكان مختلف من روحي، لكنني أخيرا ملأت كل الثقوب بأغطية من الفلين أشتاق أحيانًا لسحبها لسماع الطقة، أحياناً..

أستطيع أن أكون بين حشد هائل من الناس وعيناي معهما لكنهما في عالم آخر مع أناس آخرين أو ربما حيوانات أو نباتات أو كائنات هلامية.. لي من المهارة ما يجعلني أدخل في نقاش ثقيل بنَفس طويل في حين أنني في الواقع أرى وأفكر وأكلم أشخاصاً آخرين لا يراهم أحد سواي، لا أحد يكشفني و إذاك تتحقق بهجتي التي تكلم عنها “فرانسيس بيكون” بهجتي في الوحدة كوحش بري أو كإله..

لست مدينة لكورونا بأي شيء لم أجلس لأتفكر في دروس تعلمتها ليس لدي أي دروس لأتعلمها لأنني كائن يحب أن يختبر ويجرب دون أن يحاذر شيئا، تستهويني المخاطرات، أحب أن أخطئ ومالمانع في أن أكرر خطئي مرة واثنين وعشرة..

لم أقلع إلا مجبرة ومؤقتا عن ارتياد مقهاي المفضل.. أفتقد مكاني، إنني أجلس على نفس الطاولة يومياً ونفس المقعد هناك بمحاذاة المطبخ. أشرب نفس فنجان القهوة منسما بما أعصره من شرائح الليمون، مستمتعة ومستأنسة بالعاملين في المقهى، هناك سحر غريب وتوليفة غريبة خلقت بيني وبين “بلاص بييتري”

مالذي استكشفته أو الجديد الذي لمسته في هذا الحجز الصحي؟

ربما هذا الدمل الذي انفجر فجأة في قلبي حباً  “المغرب”، أفكر كل يوم في المغرب، الحبّ بيننا أنا وهو كان ألما دائماً.. أحيانًا كنت أقول أنه حب من طرف واحد أو أنه حب نبيل أن أحب من أعرف أنه لن يحبني يوما، لكن اليوم أنا والمغرب في أفضل حالاتنا العاطفية على الإطلاق وحبنا متوهج. عاد إلي أخيرا ذلك الإحساس الذي كان يغمرني وأنا طفلة تذيقها أمها الشاي الأخضر بالنعناع رشفة رشفة فأنزل بوجهي وطاقيتي المزركشة ولساني على كأس الشاي المنعنع في حين أن عويطة هناك في ساحة سباق بعيدة يجري ويجري لأجلنا كعادة المغاربة مع بعضهم، يسبق الجميع لأجل أمي مثلاً.. كأنه كان يراها وهي تتغافل عن نوبة ربو صعبة لتشجعه “يا ربي، يا ربي، يا ربي”

منذ شهرين “مدة الحجر الصحي” في حالة عشق وهيام غير مسبوقة مع المغرب..

فكرت أثناء تأملاتي في هذه الفترة في كل المسجونين في العالم..كأن روح مسجون ما في عالم ما، في زمان ما، هي صاحبة فكرة “كورونا”..

ستمر الأزمة و سنعود لحياتنا الكئيبة من جديد لكنني ككل المساجين في هذا الكون الواسع لم يهز السجن الذي فرضته كورونا في رأسي أي شعرة لأنني أعرف أننا محبوسون سلفا في بيت واحد كل ثانية تتم المناداة على أحدنا ليغادر وكم أتمنى لا زلتُ الخروج من البيت اللعبة إلى الحديقة..

أقضي أغلب يومي في المطبخ، أحب جدا الطبخ، وأعشق الطبخ لمن أحبهم.. أطباق عالمية ومغربية، أستمتع بالأمر ويشعرني بالسعادة، عندما أرى عائلتي الصغيرة وهم يتسابقون إلى طبق حضرته أشعر بأنهم يتسابقون ليأكلوا من قلبي وتستغرق روحي في دغدغة عجيبة.. ثم بين الأوقات أقرأ الشعر وأتفحص في وقت واحد ديوانين و رواية  قبل أن أجلس مع العائلة على مائدة الإفطار و أكتشف أنني لازلت قادرة على البكاء بسبب بطل مسلسل مغربي يشبه أبي.. نفس المسافة بين الكفين ونفس شكل الصدر ولون الشعر، والمشية، والعينين الدامعتين، فتدمع عيناي..

يحصل هذا منذ أسبوع تقريبا..

سينتهي الحجر الصحي في المغرب بعد أيام كما هو مفترض ولا ترعبني إلا فكرة واحدة بل وتخنقني أيضاً، أنا لا أتخيل نفسي أعيش و أتنقل بكمامة للأيام المقبلة القادمة. المرور من تجربة كورونا أهون بكثير، لا تخيفني الحياة و لا يخيفني الموت بل أن تقيدني كمامة إنه نفس قلق تجار وصانعي أحمر الشفاه في المرحلة القادمة.. الكمامة ها!!

حمالة أفواه سخيفة!!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق