ألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

نَقّارُ خَشب

زايد..ناقص
بقلم /جمعة بوكليب
رأيتُ الطيرَ المُسمّى نقّارُ الخشب لأوّل مرّة، وهو منهمكٌ بمنقاره في نقر خشب سياج قديم. كان الوقت صباحاً ربيعياً منعشا ومشمساً. وكنت أنا، كعادتي كل صباح، في حديقة بيتي، جالسا وحيداً على كرسي بلاستيكي، أمارس متعتي اليومية المتبقية لي، في تلويث رئتييَّ بالنيكوتين، وأفكر،كعادتي المكتسبة في سنوات تقاعدي، في طريقة تقيني من شرّ نفس وسواسة، وتفتح لي باباً سحرياً يساعدني على عبور مخاطر عيش نهار آخر، في زمن الوباء الفيروسي، ويقودني إلى برّ السلامة، وربما، بشيء من حسن حظ، يدلني على نبع حبّ خفي، يطفيء حرقة ظمئي، ويعيدني إلى مسالك حياة فقدتها وأفتقدتني، أوينقذني من الموت ضجراً من شدة الوحدة. ذلك الصباح، كان الطير المعروف باسم نقّار الخشب يقف مقابلاً لي، على ناصية سياج خشبي في حديقة جيراني، مستغرقاً في نقر خشب السياج بمنقاره. قبل أن أراه، وصلتْ إلى سمعي طرقات منقاره: تك تكتكتكك تك. لكنّي لم أهتم. إلا أن الطَرقاتِ ازدادت عُلواً، فرفعت رأسي قليلاً، ومددت بصري فرأيته. لم تكن المسافة بيننا قريبة حتى تمكنني من رؤية تفاصيله بدقة، وربما محاولة مدّ حبل من تواصل بيننا. ولم تكن، أيضاً، بعيدة تحول بيني وبين مراقبته. لكنّي، على أي حال، ركزتُ عينيَّ عليه، وهو مستغرق ينقر خشب السياج بدأب، فبدا لي وكأني أرصد نجّاراً، يدق بمطرقة حديدية مسامير، ليثبت قطعة خشبية في سياج: تك تككك تك.
قبل ذلك الصباح الربيعي المشمس لم يصدف وأن رأيتُ بأم عينيَّ نقّار خشب.. كنتُ كثيراً ما أسمع صوت نقر منقاره على جذوع الشجر، خلال جولاتي ، في الحدائق، أو الغابات العمومية. وشاهدت صوره في البرامج التلفزية، وفي السينما، وما يعرض له من صور في الصحف أو المجلات. وأمر رؤيته من عدمه، في الحقيقة، لم يكن من ضمن أجندة انشغالاتي اليومية، أو ليضيف لي شيئاً جديداً، أو، على الأقل، يغيّر من روتين حياتي إلى الأفضل ولو مقدار بوصة. والسبب، لأن في ثنايا خلايا دماغي، أو ما تبقى منها سالماً، وفي تجاويف مسارب قلبي يوجد ألف نقّار خشب آخرون، لكنهم بلا ريش، وبلا أجنحة، وبمناقير أكثر طولا وحِدّة. ولكني مع مرور الوقت، وبشيء من الصبر، تعودت نقرهم المتواصل، حتى صرتُ لا أهتم بهم أو أوليهم التفاتاً. ورؤية نقّار خشب حقيقي، بريشه ومنقاره الطويل، ذات صباح ربيعي مشمس، ينقر منهمكاً خشب سياج حديقة جيراني، لن يغيّر في مسار أمور النهار الوليد شيئاً، وإن كان يضيف إلى ألبوم تصاويري، وذاكرتي البصرية، صورة أخرى متميزة، وهذا أضعف الإيمان.
كان أكبر حجماً من زرزور قصب، وأصغر من طيرهُدد. ولونه أقرب إلى الرمادي، ولم يكن ريشه ملوناً، كما رأيته في الصور وعلى شاشات التلفاز. تك تكتك تك، واصل النقر وكأنه على عجل، ولم يكن في حديقة الجيران أحدٌ، وشمس الصباح الربيعي دافقة ودافئة وحنونة، وكنت أنا قد بدأت، عقب لحظات، أحسُّ وكأن رأسي قد صارت سياجاً خشبياً يقف فوقه نقار الخشب، ناقرا بمنقاره الطويل، كطرقات يد سريعة على باب خشبي مغلق، فازدادُ مع الطرق ألما، وأهشُّ بيدي على رأسي ، وكأني أطرده بعيداً عنّي. لكن النقراتِ، كطرقاتٍ على باب مغلق، لم تتوقف، بل أزدادت سرعة وأزددتُ ألما. ذلك الصباح الربيعي، في غفلة من صمت عشب حديقتي، وأغصان شجرتها الوحيدة، تمنّيت، في لحظة صفو ربيعي، لو كنتُ نقّارَ خشب، أنقرُ بمنقاري، وبغضبٍ شديد، لغةً تخشّبتْ، منذ زمن طويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى