أجتماعيألرئيسيةحوارات

نقوش فزان.. صناعات يدوية … منتجات محلية

مرايا اجتماعية

متابعة : كوثر الفرجاني

تحتل الحرف اليدوية والصناعات التقليدية مساحة واسعة من التراث الليبي، يعتمد فيها الصانع المحلي على مهاراته الفردية الذهنية واليدوية، باستخدام الخامات الأولية المتوفرة في البيئة الطبيعية المحلية أو الخامات الأولية المستوردة، وتنعكس أهمية الحرف والصناعات اليدوية في أنها تدل على جوانب الهوية الوطنية للدولة المنتجة للحرف والصناعات اليدوية، ويمكن أن تحقق منها مكاسب مادية رائعة من خلال اهتمامها وتدعيمها للحرف اليدوية، حيث إن حجم التجارة العالمية للحرف اليدوية والتقليدية يفوق ‏100‏ مليار دولار، وقد أدركت كثير من البلاد أهمية استثمار تراثها الحرفي، فعملت على إقامة آلاف الورش والمصانع.

ساهم في توفير مئات الألوف وربما الملايين من فرص العمل لشبابها، وإلى فتح أسواق لتصريف منتجاتها في كل مكان، ما جعلها تتحول من دول فقيرة، أو دول مستهلكة لما ينتجه غيرها، من أزياء وأثاث ومفروشات وأدوات منزلية وكافة احتياجات الحياة اليومية، إلى دول غنية من عائد تصدير منتجاتها الغزيرة من الحرف اليدوية لمختلف أنحاء العالم، إضافة إلى تعميقها للبعد الثقافي كدول ذات إرث حضاري يجعلها تقف باعتداد أمام الدول المتقدمة في عصر العولمة، بلا ميزة تنافسية غير إبداعها الشعبي.‏‏

وتعتبر الصناعات التقليدية في منطقة فزان بالجنوب الليبي مظهر من مظاهر الحضارة بل هي وسيلتها الأولى للتعبير عن ثقافة وأصالة أهل فزان في القرى والأرياف.

وقد اتخذها أهالي فزان حرفة ومصدرا للعيش وهي تمتاز بأنها تراث حضاري يجسد المظاهر الحياتية اليومية والمراحل الحضارية من الماضي منذ نشأته، حيث تعبّر عن مظاهر مختلفة ومتنوعة للحياة في الأشكال والرسومات والنقوش والزخارف والنماذج التي تظهر في منتجات الصناعات التقليدية والمقتنيات المستوحاة من البيئة وطابعها الحضاري وتراثها القديم التاريخي والثقافي، فهي أحيانا تمثل وتجسد ملامح الحياة وتعبر عن سلوكياتهم التي انبثقت من مواهبهم وابتكاراتهم في أوقات فراغهم وأحيانا تجسد في لوحات فنية تعبر وتبرز رغبات الناس لما فيه من جمال فني ويظهر ذلك في منتجات الصناعات التقليدية على الحجر والخرز والفخار أو التي يتم نقشها على السجاد المصنوع من الصوف أو التكوينات السعفية المشتقة من سعف النخيل ومخلفاتها، أو الفنون المجسدة على الأخشاب والجلود وكذلك الصناعات الجلدية مثل الحذاء العربي أو البلغة أو الحقائب والأحزمة و السروج.

وأهم ما يركز عليه في الصناعات التقليدية في الجنوب الليبي هي منتجات النخيل وخاصة القرى والواحات الصحراوية ويقوم بإنتاجها الرجال والنساء وتتنوع هذه الصناعات لتشمل أطباق السعف بأنواعها المختلفة مثل أطباق الغطاء وأطباق الحفظ والتخزين أو السلال مثل سلة حفظ الخبز والمراوح السعفية بألوانها المتنوعة .

وعادة تتفنن النساء في صناعة هذه المنتجات حيث يصنعن منها أنواعا وأحجاما مختلفة عليها رسومات وزخارف جميلة وكتابات متعددة من خلال صبغ سعف النخيل بعدة ألوان جميلة، وقد توارث أهل فزان بالجنوب الليبي فنون وحرف الصناعات التقليدية والمقتنيات الشعبية منذ الأزل وتطورت إلى يومنا هذا ويتم التعريف بها وعن مسمياتها عن طريق عرضها بالمعارض ومهرجانات التسوق وأصبحت سلعة رائجة للسياحة المحلية والخارجية، ويتوافد عليها الناس لاقتنائها واستعمالها في حياتنا اليومية لما تتمتع به وتضيفه من لمسات جمالية في البيت الليبي .

ومن أهم المدن والقرى التي مازالت تحافظ على ممارسة حرف الصناعات التقليدية الشعبية القديمة في الجنوب هي مدن غات ومرزق ومنطقة أدري الشاطئ والغريفة ومنطقة تكركيبة وقرية قبر عون وقرية الفراية وقرية الفجيج ومناطق الجفرة في هون وسوكنة وزلة وودان، ومن هذا المنطلق تصبح الصناعات التقليدية تراثا أصيلا تحافظ عليه وتتوارثه الأجيال.

نقوش فزان للفنون الجميلة والتراث

في محاولة لتسليط الضوء على هذه الثروة الوطنية من المنتج التراثي المحلي الليبي كان هذا اللقاء مع السيدة( آمنة الزعيتري)، رئيس مجلس الإدارة لمنظمة نقوش فزان للفنون الجميلة والتراث، التي حدثنا عن المنظمة ونشاطاتها ببلدية سبها قائلة :

– تأسست منظمة “نقوش فزان للفنون الجميلة والتراث” ليكون مقرها في قلب فزان التاريخية، حيث لا يزال يعيش تراثها العريق، ويعبق هواءها بروائح كل ما هو مرتبط بالتراث، وخلال مسيرتها القصيرة استطاعت “نقوش فزان” استقطاب مئات من المواهب اليافعة والشابة، ومن الفنانين والمثقفين كأعضاء شاركوا في الدعوة لإحياء التراث، وأقامت عددًا من المشروعات الهامة لتدريب أجيال جديدة من شباب بلدية سبها على شتى الحرف والفنون، وافتتحت معرضًا دائمًا لتسويق منتجاته، وانتقلت بهذه المنتجات إلى عديد من المعارض التي شاركنا فيها، وشجعت أعضاءها من الفنانين الأكاديميين على التفاعل مع الحرفيين التقليديين من أجل ابتكار تصميمات فنية متطورة، فيما تحتفظ بملامحها التراثية العريقة، وساعد ذلك على جذب جمهور متجدد من مختلف الفئات العمرية على السواء لإنتاج ولاقتناء بعض هذه المنتجات، مما عاد على العاملين بدخل إضافي كانوا في أمس الحاجة إليه، نعمل على إحياء التراث الفزاني، وإنتاج ليبي محلي بنقوش تراثية ضاربة في جذور التراث.

مهنة ..و فن

وتروي السيدة( آمنة الزعيتري) قصة غرامها للعمل الحرفي، من خلال منظمة نقوش فزان قائلة :

– نمارس من خلال المنظمة مختلف أشكال الفنون من الجداريات إلى الفنون التشكيلية، كما تعد الصناعات القائمة على منتجات النخيل من أهم الصناعات التقليدية التي نعمل على الترويج لها، وتذليل كافة الصعوبات في تصنيعها وتسويقها، ويقوم بإنتاجها الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وتتنوع هذه الصناعات لتشمل الأطباق بأنواعها المختلفة (أطباق الغطاء – أطباق الحفظ والتخزين – أطباق الكيل ) والسلال والمراوح السعفية، وعادة تتفنن النساء في صناعة هذه المنتجات ويصنعن منها أنواعاً وأحجاماً مختلفة برسومات وزخارف جميلة ومتعددة، وكذلك الصناعات الصوفية والوبرية، التي تعتمد على مواد خام محلية ليبية وباستخدام آلات بدائية بسيطة، وتنتج النساء أنواعاً من المصنوعات الصوفية والوبرية مثل المفارش الأرضية والبطاطين والوسائد والملابس المحلية، إضافة إلى صناعة المشغولات الحريرية، ومنتجات الخرز من العقود والسلاسل، وما يعرف بالصخاب للعرايس، ومختلف أشكال الإكسسوارات جديدها وقديمها.

الأهمية الاقتصادية للصناعات اليدوية

وعند سؤالها على المردود المادي لهذا المنتج المحلي المتنوع والمتفرد بهذا الزخم، أجابت :

– يمكن تلخيص الأهمية الاقتصادية للصناعات اليدوية التراثية في إمكانية إيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد أقل مقارنة بمتطلبات الصناعات الأخرى وقابليتها لاستيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من القوى العاملة بمؤهلات تعليمية منخفضة، كما وأن الاستفادة من الخامات المحلية وخاصة المتوفرة بكميات اقتصادية تساعد على تكوين رأس مال طبيعي من الموارد الطبيعية المحلية، وتستطيع المرأة كأم وربة بيت ممارسة الحرفة في الأوقات التي تناسبها، وفي الأماكن التي تختارها أو حتى في منزلها، بالإضافة إلى انخفاض التكاليف اللازمة للتدريب، لاعتمادها أساساً على أسلوب التدريب أثناء العمل فضلاً عن استخدامها في الغالب للتقنيات البسيطة غير المعقدة، وتوفر عامل المرونة في الانتشار في مختلف بلديات ومناطق ليبيا التي يتوفر بها خامات أولية بما يؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين الريف والحضر ويؤدي إلى الحد من ظاهرة الهجرة الداخلية ونمو مجتمعات إنتاجية جديدة في المناطق النائية، وكذلك ميزة المرونة في الإنتاج والقدرة على تقديم منتجات وفق احتياجات وطلب المستهلك أو السائح أن وجد.

 خطة عمل للتدريب

وحول التدريب وورش العمل بمنظمة نقوش فزان للفنون الجميلة والتراث تقول :

– تم بحمد الله مؤخرا وبالتعاون مع المركز الوطني للمأثورات الشعبية سبها تكملة البرنامج التدريبي المعنون بعنوان( مجرة فن)، الذي يؤكد على أهمية دور الفن التشكيلي في تعزيز التعايش السلمي بين مكونات المجتمع المتنوعة عرب تبو طوراق، وأيضا إقامة جلسة حوارية أدارها الأستاذ الفنان التشكيلي( جمال العز) رئيس مكتب التفتيش التربوي سبها، من منطلق أننا بالفن نرتقي وننعم بالسلام، وخلال الأيام القليلة الماضية احتفلنا باختتام البرنامج التدريبي الذي قامت بتنفيذه منظمة نقوش فزان للفنون الجميلة والتراث منذ شهر حيت تم احتضان المرسم الفني للمركز الوطني للمأثورات الشعبية، ببيت الثقافة سبها، وعدد من الورش التدريبية في مجال الفن التشكيلي لمختلف مكونات المجتمع عرب وتبو وطوارق للمساهمة في نشر الثقافة وبناء السلام بين مكونات المجتمع والتعايش السلمي ومشاركة الموروث الثقافي الفني، والنهوض بالحركة الفنية والحفاظ على الموروث الحضاري لكل مكونات المجتمع، ومجرتنا مليئة بالكواكب الساطعة والنجوم اللامعة، حيث اختتمت مجرة فن دورتها التدريبية بحلقة نقاش ومعرض لنجومها المتلقة وذلك بحضور العديد من الزوار والرواد والمثقفين والمهتمين بمقر منظمة نقوش فزان للفنون والتراث.

مجرة للحرفيين والمواهب

وأضافت : تجهز حاليا غرفة لصناعة الحرف اليدوية، من خلال خطة عمل تتضمن مختلف أنواع الفنون والأشغال التراثية اليدوية، بهدف توفير التدريب اللازم للصناع العاملين بمختلف قطاعات الحرف اليدوية، لرفع كفاءة المنتجات حتى تتمكن من المنافسة عربيا وعالميا، بالتعاون مع المركز الوطني للمأثورات الشعبية، ويأتي هذا التعاون والتمازج للنهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، مما يساهم في توفير فرص عمل وزيادة المنتجات، وانتهينا مؤخرا من البرنامج التدريبي لشغل الخرج، تحت شعار (شغل الخرج .. مع كل غرزة حكاية)، للغوص في تفاصيل تطريز نقوش الزي الليبي، والذي أتاح للمتدربات تعلم ️التطريز بالخيط والنقشات المختلفة للخرج، مع عمل زي طرابلسي كامل لعمر سنة، بداية من التفصيل والقص والتطريز والخياطة، ومشروع التخرج سيكون ملك للمتدربة وهو زي طرابلسي لعمر السنة، وجميع المواد متوفرة من قبل المنظمة، مع شهادة معتمدة من الأكاديمية الدولية للتصميم، وذلك لتشجيع الصناعة الليبية المحلية في مواجهة الصناعات التركية والصينية والمصرية، ويهدف المشروع إلى الاهتمام بالصناعة اليدوية بالأخص ويساعد الفتيات على بدء مشروعات صغيرة من داخل منازلهن، ويوفر لهن التدريب والخبرة في مجال صناعة الزي الشعبي الليبي.

تفعيل الصناعات اليدوية

وحول غرض تنمية الاستثمار في مجال الحرف والصناعات التقليدية وتطوير منتجاتها حتى تساهم بشكل فعال في التنمية الاقتصادية تنوه السيدة (آمنة الزعيتري)، ومن واقع تجربتها في تسويق منتجات نقوش فزان إلى ضرورة وضع آلية فاعلة للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة في مجال الحرف والصناعات التقليدية، والتنسيق مع جهات مثل وزارة التعليم وهيئة التعليم الفني والتقني بالذات لوضع البرامج التدريبية الهادفة إلى تنمية مهارات وقدرات الحرفيين والحرفيات، خاصة للأجيال الناشئة منهم لإيجاد مصدر دائم لتزويد هذا القطاع بما يحتاجه من أيدٍ عاملة ماهرة تضمن استمرار وتداول الخبرات والمهارات الحرفية في مختلف الصناعات، وتوفير دعم مادي لاستمرار مشاركة الحرفيين بصورة سنوية في المهرجانات الوطنية التسويقية السنوية وغير السنوية للتراث والثقافة، كالدعم الذي قدمه مركز تنمية الصادرات من توفير مواصلات وإقامة في سنوات خلت، وكذلك اختيار الصناعات الحرفية المميزة وإتاحة الفرصة لها في المشاركة في المعارض الدولية (الداخلية والخارجية إن وجدت )، ومساندة الدولة من خلال البنوك والمؤسسات المالية المتخصصة والداعمة في مجال الإقراض لتمويل الصناعات الحرفية بشروط ميسرة وأن يتضمن التمويل حوافز مشجعة تجعل الحرفي يقبل على استخدامه والاستفادة منه، ويمكن تقديمه بصيغ مختلفة حسب ظروف كل حاله، والنظر إلى أهم مشكلة تواجه الحرفي، وهي الترويج والتسويق، من خلال الاهتمام بأنشطة تسويق منتجات الصناعات الحرفية داخلياً وخارجياً على أن تشمل هذه الأنشطة داخل البلاد كل من مراكز الحرفيين، الأسواق السياحية، الفنادق، المتاحف، والأسواق الدولية وغيرها، وأن يحمل المنتج الليبي علامة تجارية مميزة عليها صنع في ليببا، وبالأخص مع ملاحظة التنافس الشديد.مع دول الجوار، وحرصهم على شراء المنتج الليبي وبيعه خارج ليبيا بأسعار تفوق السعر المحلي، وهو ما يشكل في حد ذاته تهديدا لهوية المنتج الليبي المحلي.

صنع في ليببا

وتقول في ختام حديثها:

– إن الحفاظ علي الحرف اليدوية يحتاج إلي اتخاذ مجموعة من الإجراءات منها ضرورة تكثيف الحملات الإعلامية التي توضح أهمية هذه الحرف ويمكن استغلالها بشكل أمثل محليا‏، أما بالنسبة للمجتمع الخارجي فتنشيط هذه الحرفة يكون عن طريق الوسائل الحديثة وهي الإنترنت وإنشاء مواقع إلكترونية تدعم الحرفة عالميا‏، كما يجب إنشاء مؤسسة وطنية كبرى ترعى هذا النشاط وتستقطب إليه المستثمرين ليقيموا عشرات المراكز الحرفية للتدريب والإنتاج والتسويق داخل ليبيا وخارجها، ويجب على رجال الأعمال رعاية مراكز وجمعيات ومشروعات لتنمية الحرف التقليدية التي يمكن أن تعود عليهم بعائد اقتصادي كبير مثلما حدث لكثير من دول العالم ومنها تلك التي تغزونا بمنتجاتها اليوم، وتشتري المنتج الليبي بأبخس الأثمان ليباع بسعر سياحي خارج القطر الليبي، وللعلم هناك عائلات في الجنوب الليبي تبحث عن مصادر دخل ويمكن استغلال ذلك بتعليم كل الشباب والسيدات وأرباب البيوت هذه الحرف التقليدية من أجل زيادة الطاقة الإنتاجية وتحقيق أرباح جيدة،‏ ولكن بشرط توفير كوادر للقيام بعمليات التدريب والخامات اللازمة والأهم من ذلك ضرورة فتح أسواق في أماكن مختلفة بحيث يمكن تسويق هذه المنتجات مهما كان حجمها‏.، ودعم الدولة في التسويق وتوفير الصبغات بأسعار معقولة، لأنها عائق أساسي في استمرار العديد من الحرفيين والحرفيات في صناعة السعفيات وبعض الصناعات الجلدية المحلية.

إننا نناشد مركز تنمية الصادرات وكل من له علاقة بالنظر إلى المنتج المحلي التراثي الليبي، ودعمه داخليا وتسويقه خارجيا، ليصل إلى الدول الأخرى ويحتل علامته المسجلة وهي: “صنع في ليبيا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى