ألرئيسيةثقافة

نساء في ثلاث سرديات روائية

روايـات ترصـد متغيـرات المـرأة وطبيعـة التحـول عاطفيـا فـي ظـروف مـا قبـل وبعـد الـزواج .. “كاتيـا “,”أيمـا ,”جانيـن” فـي ثـلاث سـرديات روائيـة .. ربمـا نرجـع إليهـا فـي مقاربـة..
روائيـة معاصـرة وتحـولات أخـرى فـي واقـع المـرأة مـا بيـن اليـوم وأمـس ..

عرض / عبد الحكيم كشاد

وهــو يتحــدث عــن حــب “كاتيــا و ســيرجي” فــي روايــة “الحيــاة الزوجيــة” ، كان “تولســتوي” أكثــر مــن رائــع وهــو يتتبع تفاصيـل التجاذبـات لفتـاة السـابعة عشـر مـن العمـرٍ وشــاب مــا  بعــد الثلاثيــن فــي غيــاب أب ٍ حــادب واتحيــاج القلــب الفتــي ّ للحنــو خاصــة فــي ســنواته الأولــى بالنســبة كاتيــا … يطيــب لهــؤلاء الــروس أن يتقصــوا دب النملة هـم ينحتـون خلجـات النفـس البشـرية علـى واقـع مـا تتفاعـل عـه فـي الحيـاة ،حيـن تتعـرى بعاطفـة حـب و تجاذبهـا تلـك النـوازع الإنسـانية .

يمثـل غيـاب الأب فقـد مـن نـوع آخـر مـا سنعيشـه بعـد ذلـك سـيكون مختلفـا تمامـا مـن هنـا كان دوره فـي حياتنـا ضروريـا فـي مرحلـة مـن مراحـل العمـر .. النضج العاطفـي والاتـزان النفسـي ..

ربمـا خطـأ “كاتيـا” أنهـا رأت فـي “سـيرجي” أبـوة ظلـت غائبـة لكـن الغريـب أنـه لـم يكـن الــزوج المناســب .. أن تدفــق الحيــاة فــي »كاتيــا« ونوعيــة حيـاة سـتجد روحهـا محاصـرة بسـياج مـن ذلـك الملـل الـذي كان عائقـا..ملت “كاتيا “عـادات
هـذه الحيـاة التـي تقـودالعاطفــة بــدل أن تُ ّ قــاد بهــا ! وكان يعذبهــا أن تــرى ســعادة لا تكلفهامــن تفكيرهــا أي جهــد ! .. الحيــاة القائمــة علــى الصـراع داخـل الـذات قبـل صراعهـا مـع الحيـاة ومتطلباتهـا والتــي أحاطــت “بكاتيــا” وقــام فــي ظنهــا أنهــا ليســت كل الحيـاة ،

حينمـا رغبـت أن تهـرب الـى المدينـة مغيـرة نمـطحياتهــا الريفيــة البســيطة – وننســى أحيانــا أن ســعادتنا بيـن أيدينـا – حيـاة الأرسـتقراطية الروسـية نمطـا آخـر مـن المـوت ففـي قصورهـا البـاردة قلـوب الكثيـرات مـن سـيدات اختــرن هــذه الحيــاة وعشــن تفاصيلهــا محاطــات بالثنــاء والأعجـاب الـذي لا يقـود إلا لفـراغ آخـر ! .

لكـن محـاولات هــروب »كاتيــا« المتعــددة ســواء مــن الريــف إلــى المدينــة أو مــا قبــل حينمــا التمســت العاطفــة الدينيــة الممزوجــة بواعـث إنسـانية وكل همهـا أن تجـد دروبـا تـؤد ّ ي إلـى نديـة عاشـت تفتقدهـا مـع ” سـرجي “!.

ذابـت كلهـا كمـا تـذوب الحبـال مـع كل الصبـر الـذي تتكفـل بـه روحهـا فانقـادت إلـى الالتمــاس الدينــي ليعطيهــا مــا يجعلهــا فــي تكامــل تتطلع إليـه فـي شـغف المؤمـل! حتـى فـي الحركـة الخارجيـة هنـاك مــا يومــئ لهــذا التســاوي التــي تتطلــع إليــه “كاتيــا” تقــول ( : ونهضــت فأمســكت بيــده وأخــذت أســير إلــى جانبــه محاولــة أن أســاير بخطواتــي خطواتــه ) هــل كانــت “كاتيــا ” تخـون الحيـاة فـي داخلهـا أم تخـون حيـاة سـنوات عمرهـا الفتيـة وهـي
تبتعـد عـن واقـع الصـراع الحقيقـي ليسـتغرقهاالضجيـج والعالـم المتحـرك حولهـا وكـي لا تـدرك حقيقـة علاقتهـا بسـيرجي مبكـرا ؟

وكيـف كانـت علاقتهـا بـه بعـد ذلــك وهــي تتصــدر الحفــات وتحــوز الأعجــاب كســيدة مجتمـع جميلـة مرغوبـة مـن الرجـال ؟! ..

وبعـد لا أدري كيـف أنهـا تذكرنـي “بجانيـن” فـي قصـة ” زوجـة خائنـة ” لكامـو التـي قامـت خيانتهـا فـي الواقـع داخلهـا وحيـن اكتشـفت بـأن الخيانـة فكـرة وروح قبـل ان تكـون جسـدا يمنح !..

تسـللت لـى الغابـة هاربـة ! وهنـاك “إيمـا » فـي “مـدام بوفـاري« حيـن تخـرج مـن الديـر وكأنهـا تمتلـك ذلـك التصـور .
عـن حيـاة تفتقـد شـروطها وفـق تربيـة تلقتهـا فـي الديـرلتكتشـف أن حياتهـا مـع الدكتـور شـارل خيانـة أخرى ملتبسـة بعاطفـة معلبـة لعاطفـة تميـت أحيانـا و تشـعرنا أننـا لا نبـذل جهــدا فــي  ســبيل وجــود معنــى فيهــا مــن خصوصيــة ذاتنــا ّ واختيارنـا ونديــة مـن يشـاركنا فيهـا الذوبـان الـذي يوهمنـا أنـه يحـدث فـي الآخـر ويرضينـا ربمـا يكـون بعـد ذلـك سـبب نقمتنــا علــى كيــان لا نحــس بوجــوده أصــلا ، “كاتيــا” فــي “الحيــاة الزوجيــة” لتولســتوي تعمــل مــا يرضــي “ســرجي” وكان يكفيهـا ذلـك هـل كان ذلـك حقيقيـا وطبيعيـا ؟!

تقـول “لســيرجي” بعــد ذلــك : نعــم أنــا طفلــة وعليــك أن ترضيهــا بعـد حـوار تكتشـف فيـه أنهـا بعيـدة عـن زوجهـا ومـا يفكـر فيــه ولا اســتعداد لديــه ليخبرهــا بحقيقــة وضعهــا ولتقــول ســاخرة لــه : أعلــم أنــي لا أريــد الهــدوء إنمــا يكفينــي هدوئــك انــت ! هــذه التبعيــة التــي عاشــت المــرأة تلعنهــا فيمــا بعــد ! .

كانــت “كاتيــا” تحـب أن تعكـر هـذا الهـدوء كـرد فعـل مغيــظ بالنســبة لهــا كانــت “كاتيــا” وهـي تختـرق هـذه الحيـاة ربمـا بـدون وعــي منهــا رغــم وضــوح »ســرجي« حـد البـلادة كانـت تحـس بخـزي ونـدم عظيميـن مـع كل تصرفاتهـا معـه وهـذا دليـل مـن يجـد نفسـه فـي غيـر مكانـه .
.. “إيمـا” فـي “مـدام بوفـاري” اقتحمـت حياتهــا الزوجيــة بــدون أن تكــون متهيـأة لهـا و«جنيـن« بطلـة كامـو أيضـا .. هــل غيــاب الوعــي المســبق هــو مــا ّ يشــكل الرابــط المشــترك بيــن هــذه الشــخصيات رغــم غنائهــا بتفاصيــل مكتظــة منــذ البدايــة بمــا تحــس بــه كل واحــدة منهــن لا ســيما وأن صفــة التمـرد علـى واقعهـن فـي النهايـة هـو مــا يجمــع بينهــن وإن كان كل ٍ  تمــردافــق البيئــة الــذي خــرج منهــا لكــن الســؤال لمــاذا ســلبية الرجــل هنــا ” فسـرجي” لـم يمنـع ذلـك وهـو طـوال الروايـة لديـه احسـاس قـوي بـه ؟! أم أن الحـب يظـل قـدرا تعمـى عنـه العيـون أكاد مـرة أخـرى أشـم “مـدام بوفـاري” فـي “كاتيـا” التـي لا تـكاد تعــرف إلا حيــاة الريــف وعاداتــه وزيــف المدينــة وبهرجــة حفلاتهــا ونظــرات المعجبيــن بهــا لكنهــا حيــن تصطــدم  بـأول تجربـة حقيقيـة مـع رجـل آخـر يكـون ذلـك الانعـكاس المنجــذب المغــري رغــم امتنــاع نفســها عنــه ! تجاهــل زوج “إيمـا” يقابلـه صلافـة وادعـاء “سـرجي” زوج “كاتيـا” و هـو ّ مـا
يشـكل اسـتمرار العـذاب والجنـوح حسـب طبيعـة كليهمـا وقــد تكــون مخفيــة ظاهــرا لكــن “كاتيــا” لــم تســقط كمــا سـقطت “إيمـا” سـقوط اللحظـة جـر وراءه عمـرا ذهـب هبـاء ومســتقبل مبهــم حزيــن فــي علاقــة خاطئــة لــم تــدم طويــلا..

والثـلاث كـن فـي الحقيقـة يتقاسـمن الفـراغ العظيـم مقابـل مـا يخـص ّ الـزوج مـن الترفـع والتظاهـر فـي “سـيرجي” حـب المـال والشـخصية غيـر المكتملـة إزاء نديـة “جانيـن« أمـام “مارسـيل” ابتعـاد وتجاهـل وحـب ونفـاق المركـز الاجتماعـي بالنسـبة لشـارل غيـر أن صدمـة الرجـوع تختلـف بينهـن كان الخـاص بالنسـبة لإيفـا يكمـن فـي الاعتـراف الأخيـر علـى ســرير المــوت الســرير الــذي يبيــن فداحــة شــكل العلاقــة بيـن “مارسـيل” و”جانيـن” ومزيـد القهـر الليلـي ،الحـب الـذي اختنـق فـي الظـلام وابتعـد فـي خطـوات “جانيـن” التائـه فـي العــودة ..

الرجــوع بالنســبة لكاتيــا كان فــي تجــاوز ماضــي حـب مسـتحيل لكـن النظـرة المسـتقبلية هنـا تتمثـل فـي جيـل مختلــف » الأبنــاء » ثلاثــة ارتــدادات حملــت مــا حملــت مــن تحطــم القلــوب النهائــي تبديهــا ســوء الاســتعدادات الأولــى لــدى كل واحــدة منهــن ..

الفــراغ هــوة عظيمــة ســقطت فيـه قلـوب النسـاء الثـلاث وكانـت اللعنـة التـي تبيـن الحيـاة الطبيعيـة كـم هـي بعيـدة عنهـن . وهـوة السـقوط كانـت فـي لحظـات بالنسـبة لكاتيـا لتتـدارك مـا كانـت توشـك ان تقـع فيـه وترجـع الـى الريـف كنـوع مـن الحمايـة مـن نـوازع هـذا الفـراغ الـذي لـم يملئـه زوج كان يعيـش لنفسـه ! ويتسـع هـذا الفـراغ ليمتلـئ بالعشـاق بالنسـبة لأيمـا فـي “مـدام بوفـاري” كلمـا انسـحب عاشـق سـد الفـراغ عاشـق اخـر .

فـي زوجـة خائنــة تســتغرق هــذه الهــوة الماعــة عيــن شــرهة مــن أحــد ركاب الــكار وتتســع وربمــا لان جانيــن كانــت تســتغرقها هواجســها أكثــر منهــن جميعــا الخيانــة هنــا اقســى لأنهــا تحفــر مــن الداخــل ولــم يتــح لهــا لا الوقــت ولا الصحــراء لغيـر علاقتهـا بزوجهـا المهينـة ، السـقوط كان علـى درجـات فـي الروايـات الثـلاث وإن تبايـن كل زوج فـي طبيعـة علاقتـه بزوجتـه فنجـد “مارسـيل”الشـخصية الانتهازيـة التـي تحتـاج الغيــر دائمــا هــذا الاحســاس هــو مــا يبقــي جانيــن معــه وهــي تبــدو كعلاقــة مرضيــة .

“ســرجي ” شــخصية أخــرى تتســم بالصلــف والكبريــاء والغمـوض والـذي يشـعر كاتيـا دائمـا بالدونيـة وأنهـا الاقـل شـائنا منـه مأسـاتها أنـه لـم يفهمـا رغـم أعجابهـا بـه .

علاقـة أخـرى فيهـا اختـال ! »شـارل« شـخصية مهـزوزة يتيـح كل مـا كان مـن شـأنه أن يقـرب »إيمـا« الـى مـا وصلـت إليـه مـن عبـث وخيانـات ونجـد اسـتمرار هـذا العمـاء يسـتمر حتـى بعــد مــوت »إيمــا« حيــن يظــل ممســكا بخصلــة مــن شــعرها .

وإذا كان “تولسـتوي” أوجـد حـل الأبنـاء فـي نهايـة روايـة » الحيـاة الزوجيـة » فـأن »جانيـن« فـي »الزوجـة الخائنـة« كان ملاذهـا مـا كانـت طـوال الوقـت تهجـس بـه لتظـل وراء زوجهـا ملتصقـة بـه ليكـون ذلـك أكثـر أمانـا فـي حالـة “إيمـا”يبـدو الأمــر مختلفــا … النســاء الثــلاث يبديــن تعلقــا بأزواجهــن تمامــا كتعلــق الأزواج بهــن ! يبــدو غريبــا هــذا التواطــؤ ! . غيـر أن صداميـة الحـدث فـي »زوجـة خائنـة« لكامـو فاقـت حفريــات مــا كان بعيــدا بشراســة وعــودة »جانيــن« كانــت أشـبه بفراشـة فتنـت بالضـوء فـي المصبـاح حتـى احترقـت !

فـي “الحيـاة الزوجيـة” المـس ذلـك الانحـراف ارتيـاع دون ّ التوغــل فيــه وســرعان مــا جعلهــا مــع كل العــذاب أن ترجــع وتحمــي نفســها ممــا انســاقت إليــه هروبهــا إلــى الريــف والأمــل فــي الأبنــاء ونســيان ماضــي الحــب الــذي لــن يعــود فـي “مـدام بوفـاري” المـوت هنـا أيضـا هـروب مـن نـوع آخـر .كان هـروب جانيـن إلـى الصحـراء والذوبـان فـي اللامتناهـي و”كاتيــا” مــن صخــب المدينــة والمجتمــع وهــالات الزيــف لعــل المــكان كان ســجنهن الأكبــر.
………………………………………..
الحياة الزوجية رواية لتولستوي 1858.
الزوجة الخائنة قصة في مجموعة الغريب لابيير كامو .
مدام بوفاري جوستاف فلوبير 1957.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى