ألرئيسيةتقاريرفنون

نجومية لا تخبو على أعتاب الثمانين

منى واصف سنديانة دمشق وأيقونة الدراما السورية

إعداد: نوري ميلاد سالم

هي عقد الألماس العتيق وأيقونة الدراما السورية وسيدة المسرح والملكة وقل ما شئت من الألقاب.

الفنانة الكبيرة منى واصف “نجمة الزمن الجميل” إحدى اللاتي عبدن الطريق للمرأة لاقتحام عالم الفن المليء بالحكايات والأسرار والخفايا.

روعة أدائها التمثيلي أبهرنا وجعلنا نتعلق به مذ كنا صغاراً نحبوا, عشنا معها ذكريات جميلة بأدوار المرأة الصابرة القوية والعفوية والرومانسية والعاشقة والأم الحانية.

كثير من الأعمال الدرامية التلفزيونية شدتني إليها بتقمص الأدوار وتنوعها وسحر تأثيرها على المتلقي.

ارتبطت بها منذ الحب والشتاء ودليلة والزيبق إلى هند بنت عتبة في فيلم الرسالة الذي نقلها للعالمية, حبيبة أسعد الوراق الأسطورة الشعبية, وكوكب المرحة البريئة في وادي المسك, مروراً بأبرز أدوارها الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الشريد), الشاعرة العربية التي خلدت اسمها بين كبار شعراء العرب عبر التاريخ.

هي المحامية اليهودية فلتسيا لانجر التي دافعت عن حقوق أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة ضد عنجهية المغتصب الصهيوني وآمنت بعدالة قضيته, وتحمسنا للتدفق العاطفي من المشاعر الجياشة في مسلسلات قادم من الضباب وارحل وحيدًا وزمن الحب.

لازالت ذاكرتنا تختزل قوة دورها كأم محرضة لاعتلاء ابنها سدة الحكم في الذئاب, هي أم جوزيف المسيحية التي وقفت في وجه الاحتلال الفرنسي لوطنها في باب الحارة .. هي القيمة الكبيرة وأكثر في ليالي الصالحية وعصي الدمع والخشخاش ورجال الحسم وزمن العار والحوت وأخيرًا الهيبة.

شاشتنا المرئية نادرًا لم تعرض لنا عملاً لمنى واصف, عشنا معها دراما مليئة بالفكر والبطولة والقوة والعنفوان والصبر وحب الوطن والإيمان بقضاياه المصيرية.

نالت شهرة مدوية في كل الأرجاء وكتب عنها الكثير واحتلت مساحات واسعة من أفكار العذارى والحالمات بالحرية في زمن سطوة الرجل, وعاشت توهجاً ولازالت تحصد ثمار اختياراتها الفنية, فمنى واصف إلى جانب دريد لحام هما الأبرز والأكثر سطوعًا في سوريا التي قدمت نجومًا أفذاذاً في التلفزيون والسينما والمسرح.

هذه النجمة اللامعة في سن التاسعة والسبعين حافظت على ألقها وكبريائها.

تغير الكثيرون وغيروا جلودهم في الشكل والمضمون إلا هي بقت حاضرة في وجدان المشاهد العربي بصدقها وتصالحها مع نفسها.

التكريم

في إحدى حواراتها الفنية قالت أنها ن تنسى تكريمها لأول مرة في طرابلس عام 1989 على رائعة المسلسل الدرامي وادي المسك والخنساء وفيلم الرسالة, وتذكرت كيف بكت لأن أمها غادرت الدنيا قبل أن ترى ابنتها تكرم على الملأ في ليبيا, وكرمت بعد ذلك في مهرجانات ومناسبات وحفلات كثيرة.

وترى أنها عبدت الطريق ليكون منطلقًا للأجيال التي جاءت بعدها, إلى جانب زميلاتها الرواد, على غرار ثناء وثراء دبسي.

منى واصف رغم الحرب والقسوة والدمار لم تغادر سوريا إلا للعمل ثم تعود إليها, فهي تراها الحضن والملاذ والعيش الدافئ.

يحتفون بها أينما ذهبت وذلك الأمر تراه إنجازًا كبيرًا .. مثلت في السنما والتلفزيون والمسرح ولكن بقت في ذاكرة الناس هند بنت عتبة في الرسالة, السبب المباشر لشهرتها وانتشارها, وتعيد الفضل في ذلك للمخرج مصطفى العقاد.

دعمها زوجها الراحل محمد شاهين لتزداد تألقاً في عالم التمثيل حتى آخر أيام حياته.

أم عمار, وهو اسم ابنها الوحيد, عاشت حياة هادئة بعيدة عن الصخب رغم ترحالها الكثير عبر قارات العالم للمشاركة في أفلام ومسلسلات أو لعرض مسرحي أو لحضور للمهرجانات وحفلات الاحتفاء بها وتكريمها.

هند والرسالة

عندما سمع عنها العقاد طلب رؤيتها وبمجرد مشاهدة أعمالها التلفزيونية والتحاور معها اختارها لتكون أحد نجوم فيلم الرسالة, إلى جانب عبد الله غيث وحمدي عيث وأحمد مرعي ومحمود سعيد وعلي أحمد سالم وحسن الجندي.

وكونت صداقة مع النجمة اليونانية ايرين باباس التي أدت دور هند في النسخة الإنجليزية .. أدت دور هند بنت عتبة بشكل مبهر للنقاد والمتابعين, ليكون أبرز دور مثلته منى واصف في تاريخها  الطويل, الذي تجاوز 200 عمل بين التلفزيون والسينما والمسرح .

المقارنة بينها وبين إيرين باباس لم تتوقف كلما عرض فيلم الرسالة, وأشاد المخرج مصطفى العقاد بما قدمته منى واصف من رؤية رائعة لدور هند بنت عتبة.

الخنساء

أسند لها دور الشاعرة العربية الخنساء في مسلسل حمل ذات الاسم عام 1979 وأعاده التلفزيون الليبي أكثر من مرة, وأخرجه الأردني صلاح أبو هنود, من بطولتها إلى جانب المغربي حسن الجندي والأردني أسامة المشيني.

دور ممتع فيها الشعر والحزن والحب للإخوة والأبناء .. الشاعرة بنت قبيلة بني سليم اهتدت إلى الدين الحق وأسلمت ومعها أبناؤها الأربعة الذين استشهدوا في معركة القادسية, التي انتصر فيها المسلمون على الفرس.

تلقائية وأداء جميل وقوة شخصية.

عناوين الحب

لعل من الجدير بالذكر المرور على محطات جميلة في الدراما السورية كانت نجمتها منى واصف, منها أسعد الوراق من إخراج علاء الدين كوكش عام 1975 بالأبيض والأسود مع النجم الراحل هاني الروماني, ورغم إعادة إنتاج هذا العمل  في عام 2008 من بطولة تيم الحسن, إلا أنه لم يحقق نجاحًا يضاهي العمل الأول.

والطريف أن منى واصف شاركت في المسلسل الجديد الذي أخرجته رشا شربتجي بدور مغاير , وكتبت في تتر العمل (عقد الماس العتيق) مقرونًا باسمها وكانت لحظة سعيدة بالنسبة لها.

ومثلت في أول مسلسل ملون دليلة والزيبق من إخراج شكيب غنام وبطولتها مع الأردني حسن أبوشعيرة, ليكون إضافة جديدة إلى جانب دورها في مسلسل الحب والشتاء من إخراج صلاح أبو هنود, كحبيبة للبطل عطاف المناضل ضد الاحتلال الفرنسي.

في الثمانينيات شاركت في ثلاث أعمال من إنتاج لبناني وهي باللغة الفصحى وامتلأت بكمية من الرومانسية والمشاعر الجياشة, والمسلسلات هي قادم من الضباب مع محمود سعيد, ارحل وحيدًا مع عبد المجيد المجذوب وزمن الحب مع أحمد الزين.

وادي المسك

كانت أدوارها جادة, إلا أن المخرج خلدون المالح والفنان دريد لحام اختاراها لأداء دور كوكب في مسلسل الفانتازي عن الواقع المؤلم للدول العربية في مواجهة الاغتراب والغزو الثقافي والتبعية الاقتصادية والسياسية.

الدور أبان عن موهبة فطرية كوميدية لديها سبقتها بمسلسل قبل ذلك مع ياسر العظمة وثناء دبسي عنوانه (رحلة المشتاق).

نقلات نوعية في حياتها بأداء دور الزنجية المدافعة عن حقوق السود ضد العنصرية في مسلسل طبول الحرية مع أسعد فضة والليبي الطاهر القبائلي ورفيق السبيعي, من إخراج غسان جبري.

وكذلك أدت دورًا مهمًا في مسلسل بأم عيني عن كتاب للمحامي اليهودية فلتسيا لانجر, التي دافعت عن حقوق الفلسطينيين  في المحاكم بدون مقابل, ومسلسل الذئاب وتناول الصراع حول كرسي الحكم مع ثناء دبسي وبسام كوسا وزهير عبد الكريم, إلى جانب شبكة العنكبوت والخشخاش وجذور لا تموت والعبابيد وليالي الصالحية وعصي الدمع وسقف العالم وأهل الراية والحوت وممالك النار.

الهيبة

كالعادة احتفظت بهيبتها في مسلسل الهيبة بطولة تيم الحسن .. أم جبل دور رائع أكد قوة حضورها رغم وجود نجوم إلى جانبها, منهم نادين نجيم وسيرين عبد النور وديمة قندلفت .. مع كل جزء يزداد تألقها, ليبين للكثيرين أنها النجمة رقم واحد وعلى مدى 60 عاماً امتطت صهوة الإبداع ولم يتوقف تميزها ونبوغها حتى اقتراب عمرها من الثمانين.

المسرح والسينما

هي ابنة المسرح وروائعها فيه عديدة بدءاً من العطر الأخضر في عام 1960 والزير سالم وآخرها حرم سعادة الوزير, أما في السينما فإلى جانب الرسالة هناك أفلام أخرى, كاللص الظريف وامرأة تسكن وحدها والشمس في يوم غائم والتقرير والانتفاضة.

نالت عديد التكريمات وكانت رئيسًا وعضوًا في عديد المهرجانات المسرحية وسفيرة النوايا الحسنة ونائبًا لرئيس اتحاد الأدباء ونائبًا لرئيس نقيب الفنانين السوريين.

منى واصف من عائلة فنية شقيقتها الفنانتين هيفاء وغادة واصف وزوجها المخرج محمد شاهين, وليلى ومرح جبر ابنتا المخرج والممثل محمود جبر هي خالتهما ودانا جبر حفيدة أختها من ابنتها الكبرى.

ولكن تظل هي الرقم الصعب في تاريخ هذه العائلة الفنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى