في مدينة ساحلية يُفترض أن تكون المياه فيها عنوانا للأمان، تتصاعد مؤشرات القلق من واقعٍ مائي آخذ في التدهور.
لم تعد نتائج التحاليل المخبرية مجرد بيانات علمية، بل تحولت إلى إشارات إنذار حقيقية تنبّه إلى خطر يهدد الصحة العامة.
فمع تزايد الاعتماد على المياه الجوفية، وغياب البنية التحتية المنظمة، تبدو أزمة المياه في تاجوراء نموذجًا مكثفا لاختلالات أعمق تطال إدارة هذا المورد الحيوي في ليبيا.
نتائج مخبرية مقلقة: مؤشر لا يمكن تجاهله.
كشفت نتائج تحليل عينة مياه من بئر بمنطقة طريق الشوك عن مؤشر (TNTC)، وهو اختصار يعني أن عدد البكتيريا يفوق القدرة على العد، ما يدل على مستوى خطير من التلوث البكتيري المرتبط غالبا بتسرب مياه الصرف الصحي إلى الآبار.
ويرى مختصون أن هذه النتيجة تعكس واقعًا أوسع، لا حالة معزولة.
الصرف الصحي… المصدر الأول للتلوث
يرتبط تلوث المياه بشكل مباشر بانتشار الحفر الامتصاصية غير المعزولة، وغياب شبكات صرف صحي متكاملة، إلى جانب العشوائية في حفر الآبار داخل الأحياء السكنية.
هذا التداخل بين مصادر المياه ومياه الصرف يخلق بيئة مثالية لانتقال الملوثات إلى الخزان الجوفي.
أرقام تكشف عمق الأزمة
أكد الباحث في مجال المياه، المهندس بشير بريكة، أن نحو 90% من السكان يقرّون بوجود أزمة مياه، في حين يفتقر معظمهم لخدمات الإمداد البلدي.
كما أن أكثر من 80% يعتمدون على شراء مياه الشرب، ما يعكس فشل السياسات المائية ويزيد العبء الاقتصادي على المواطنين.

ضعف الوعي يزيد المخاطر
تشير المعطيات إلى أن نسبة محدودة فقط من السكان تدرك خطورة قرب آبار المياه من البيارات، رغم أن المسافات بينها غالبا غير آمنة.
هذا القصور في الوعي يسهم في تفاقم التلوث، ويرفع احتمالات انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه.
تلوث متعدد… بكتيري وكيميائي
لا يقتصر الخطر على البكتيريا، إذ كشفت دراسات عن ارتفاع نسب النترات والأملاح الذائبة، إضافة إلى وجود ملوثات عضوية ناتجة عن تسرب الوقود في بعض المناطق.
هذا التداخل يجعل من أزمة المياه أكثر تعقيدًا وخطورة.
طبيعة جيولوجية تزيد من هشاشة الوضع
تسهم طبيعة التربة عالية النفاذية في تسريع انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية، خاصة مع الاستنزاف المستمر للمخزون المائي وتداخل مياه البحر في المناطق الساحلية.
تقارير رسمية تؤكد التدهور
تشير تقارير الإصحاح البيئي إلى تسجيل مستويات مرتفعة من البكتيريا والأملاح في عدة مناطق، مع تأكيد أن الآبار الضحلة هي الأكثر عرضة للتلوث، إضافة إلى رصد حالات تلوث صناعي في بعض المواقع.
خلل إداري وغياب الرقابة
تعاني منظومة المياه من ضعف في البنية التحتية، وغياب شبكات الصرف الصحي، وانتشار الحفر العشوائي، إلى جانب نقص المراقبة الدورية وقواعد البيانات، ما يعكس خللًا مؤسسيًا واضحا.
مخاطر صحية متصاعدة
يحذر مختصون من ارتفاع احتمالات الإصابة بالأمراض المعوية، والتسممات البكتيرية، وأمراض الكلى، إضافة إلى مخاطر محتملة مرتبطة بالتعرض طويل الأمد للملوثات الكيميائية.
الحلول الممكنة… من الطوارئ إلى الإصلاح
يرى خبراء أن مواجهة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة مثل تكثيف تحاليل المياه والتوعية، مرورًا بتنظيم حفر الآبار، وصولًا إلى حلول استراتيجية تشمل تطوير شبكات الصرف الصحي والاستثمار في تحلية المياه.
خاتمة: أزمة تتطلب تحركًا عاجلًا
لم تعد أزمة المياه في تاجوراء مسألة خدمية، بل تحولت إلى قضية تمس الأمن الصحي والبيئي.
وبين التحذيرات المتزايدة وواقع التلوث، يبقى التحدي في اتخاذ خطوات حقيقية قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة يصعب احتواؤها.
الحفر العشوائي… الخطر الصامت تحت الأرض
وفي هذا السياق، يحذر المهندس عبدالرحمن الزواوي، من أن الأزمة لا تتوقف عند التلوث الظاهر، بل تمتد إلى ممارسات الحفر العشوائي للآبار داخل الأحياء السكنية دون دراسات فنية أو رقابة.
ويؤكد أن غياب التخطيط يؤدي إلى حفر آبار قريبة جدًا من مصادر الصرف الصحي، ما يتسبب في تداخل مباشر بين المياه الجوفية ومياه الصرف، ويؤدي إلى تلوث بكتيري خطير وتدهور في جودة المياه.
تقنيات متاحة… لكن التطبيق محدود
يوضح الزواوي أن هناك تقنيات حديثة تُستخدم في استكشاف المياه الجوفية، مثل المسح الجيولوجي والأجهزة الجيوفيزيائية التي تساعد على تحديد مواقع المياه بدقة وتقليل المخاطر، إلا أن استخدامها لا يزال محدودًا، خاصة في الحفر الفردي والعشوائي.
كما يشير إلى أهمية الصيانة الدورية للآبار باستخدام معدات متطورة وتقنيات تصوير حديثة، للكشف المبكر عن الأعطال وتفادي تفاقم المشكلات.
“شبكة ملوثة” تحت الأحياء السكنية
ويلفت الزواوي إلى أن ما يحدث في بعض المناطق يشبه تكوين “شبكة مختلطة تحت الأرض”، حيث تتقارب آبار المياه مع خزانات الصرف الصحي بشكل خطير، ما يجعل من الصعب ضمان سلامة المياه أو التحكم في مسارها.
وفي قراءة علمية لنتائج التحليل، ترى الباحثة ياسمين الأحمر أن المؤشرات المسجلة في عيّنة البئر تعكس تدهورًا تدريجيًا في جودة المياه الجوفية، مرجّحة أن يكون ذلك نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها تسرب مياه البحر إلى الطبقات الجوفية، وغياب شبكات صرف صحي فعّالة، إضافة إلى الضغط المتزايد على الموارد المائية بسبب التوسع العمراني العشوائي.

وتوضح الأحمر أن ارتفاع بعض القيم الكيميائية في المياه، حتى وإن بدا طفيفًا في الظاهر، قد يحمل تأثيرات تراكمية على صحة السكان، خاصة مع الاستخدام اليومي المباشر لمياه الآبار في الشرب والطهي، مشيرة إلى أن بعض هذه الملوثات قد لا تظهر آثارها بشكل فوري، لكنها ترتبط على المدى البعيد بأمراض مزمنة ومشكلات صحية معقدة.
وتلفت إلى أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في النتائج الحالية، بل في غياب منظومة رصد دورية ومستقلة تتابع جودة المياه بشكل مستمر، ما يجعل اكتشاف التلوث غالبًا متأخرًا بعد تفاقم المشكلة.
كما تشدد على أن الاعتماد على التحاليل الفردية أو المبادرات المحدودة لا يكفي، بل يتطلب الأمر تدخلًا مؤسسيًا يضمن المراقبة المنتظمة وتطبيق المعايير الصحية المعتمدة.
وتدعو الأحمر إلى ضرورة التحرك العاجل عبر عدة مسارات متوازية، تشمل صيانة شبكات الصرف الصحي، والحد من الحفر العشوائي للآبار، وإطلاق حملات توعية للمواطنين حول مخاطر استهلاك المياه غير المعالجة، إلى جانب دعم المختبرات المحلية بالإمكانيات اللازمة لإجراء تحاليل دقيقة ودورية.
وتختم بالتأكيد على أن تأمين مياه شرب آمنة لم يعد خيارا، بل أولوية صحية وبيئية تتطلب قرارات حاسمة قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة يصعب احتواؤها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية