الأخيرةجمال الزائديرأي

موطني

جمال الزائدي

 

صباح أمس تحدثت عبر الماسنجر إلى صديق مقيم بإحدى الدول الاوروبية منذ سنوات سألته عن أجواء وظروف الحياة حيث يعيش  .. قال بسخرية رصينة تتناسب مع عقلانية دفع ثمنها من عمره : – تعرف في هذا المكان لا تنقطع الكهرباء ولا الماء ولاتشتعل الحرب فجأة وكل سبل الرفاهية والمتعة متوفرة ودانية ..لكن  لا يوجد هنا حتى ما يشبه الحياة التي نحبها في طرابلس ..

فكرت ..سنجتر السؤال العتيق مرارا وتكرارا ..لماذا أوطاننا أجمل من أوطان الأخرين برغم أننا أحيانا نضطر إلى مغادرتها فرارا من قدر الله إلى قدر الله ..؟

في ظني ان مايربطنا بالوطن أقرب إلى علاقتنا بأولادنا منه الى علاقتنا بآبائنا .. لذلك حب الوطن يسكن أكبادنا مهما كان وطنا عاقا وقبيحا ..

كان صباحا خريفيا بامتياز يصعب التكهن بمآلات طقسه الملتحف بغموض خصب  يضفي على النفس غلالة شفيفة من شجن وافر يلامس أهداب العذوبة .. ولما كانت الكمامات التي نستعملها بكثرة قد نفذت الليلة البارحة من بيتنا فقد كان علي التوجه إلى الصيدلية القريبة قبل الانطلاق إلى المحطة .. هناك تذكرت أنني  لم أتناول أقراص الاسبيرين 75 ملغ منذ فترة طوبلة لكني لم أكن أملك المال الكافي لشرائها ..مع ذلك أصر الشاب الصيدلاني الذي يعلم أني أقيم بالجوار  على أخذ العلبة والدفع لاحقا ..

مستجيبا لرغبة طارئة في المشي لمسافة أطول اخترت تجاهل المسار الأقرب للمحطة والالتفاف يسارا حول المربع السكني المجاور لحديقة الخزان ..كانت كراسي الحديقة القليلة المزروعة تحت الأشجار خالية تمامت فالوقت مازال باكرا وقبيلة المسنين والمتقاعدين التي تحتل أغلب المقاعد في الايام معتدلة الطقس لن تغامر بالخروج في وجود سحب منذرة بهطول المطر  ..عامل آسيوي واحد بعربة يد مجرورة على عجلتين كان يجوب البساط العشبي الأخضر محاولا جمع ما تقع عليه عينيه من قناني فارغة و قمامة ومخلفات وفي ذات الآن يجري مكالمة هاتفية صاخبة بلغة عجيبة هي خليط غير متجانس من اللهجة الليبية و انجليزية مهشمة ..عندما  مررت إلى جانبه استوقفني راسما على وجهه إبتسامة خجولة وطلب سيجارة دون أن يقطع محادثته الهاتفية ..أعطيته واحدة وأكملت طريقي إلى المبتغى..

في  الحافلة جلست بالجزء الأمامي من الكراسي بجوار  شابين في الثلاثينات من عمريهما كانا منهمكين في التخطيط للاحتفال بعقد قران أحدهما ..وبالرغم من زحام السيارات الذي يبطيء من حركتنا شعرت بموجة حنين عارم لمصافحة قلب طرابلس والتجول هنيهة في ازقتها و شرايينها ..لأجل ذلك تجاهلت نقطة نزولي المعتادة أمام محطة الوقود واسلمت لحظاتي القادمة لمزاج الصباح المتقلب..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى