ألرئيسيةالأخيرةجمعة أبوكليبرأي

مواجعٌ متأخرة

زايد..ناقص

    جمعة بوكليب

كان الفصلُ صيفاً:” هل حقاً كان الفصلُ صيفاً؟” وربما لم أكن وحيداً: ” تلك حكاية ليس ممكناً لقِدمها الخوضُ في التواءات مساربها.” والمدينةُ؟: ” لم تكن المحروسة طرابلس بأبوابها الموصدة، كل فصول العام، أمام الحبّ، ولا الباردة لندن بمرافئها المفتوحة الأبواب على الدنيا.” لكن قلبي آنذاك – حسبما ما أذكر- كان يَرفّ بهجةً كعصفور في صباح حديقة غَنّاء. وربما كان حُبّاً ما ألمَّ بي وقتئذ. من يدري؟

وأذكر أني سمعتُ يوماً من يقول إن المدنَ كالنساء، تتساوى في آخر العمر. فتصيرُ القاهرةُ مثل طوكيو. وبيروتُ تصبح مثل روما. وباريسُ – ياللهول – مثل مقديشو. وهذا هراءٌ لا يقبله عقلُ، ولا يوافق منطقاً. فالمدنُ، رغم كل ما يقالُ، لا تتشابه والنساء أو الرجال. المدنُ أرواحٌ مستقلة بذاتها. لكل واحدة منها لونها ومذاقها ومساربها العلنية والسرّية، وتاريخها. لكنّي، لتقادم العهد، لم أعدْ أذكر اسم تلك المدينة. وهذا ما أزعجني- ذات مساء شتائي بارد- وتسبّب في ارتباك جريان الدم في جفاف عروقي.  وحين حانَ وقتُ نومي ليلاً، حاولتُ نسيان الموضوع كليةً، وأطفأتُ مصباحي، وأغلقتُ عينّي، ككل ليلة، محاولاً غواية نعاس مراوغ. وحين تعبتُ من المحاولة، وجفاني النعاسُ، لم أشتمْ، كالعادة، الشيخوخة وما أنزلت بقلبي و بذاكرتي من هوانٍ، ولا الغربة التي أكلت سنّي عمري.  بل لعنتُ، سرّاً وجهراً،  المدنَ التي عرفتُ وعرفتني، لعلمي أنها جميعاً تأمرتْ عمداً على اسقاط  اسمي من دفاترها.

2

البعضُ من الناس، وهم قلةٌ، يعتقدون أن القلوب حين تهرم تصيرُ مثل بلور، تشفُّ من خلاله ما تحويه حناياها من أسرار.  ولو كان الأمرُ صحيحاً  لكنتُ تمكنتُ من رؤية ما  احتوى قلبي  من أسرار.  لكنّي أعترف أنّه، منذ زمن، لم يعدْ لي أسرارٌ، ولا تستهويني أسرارُ. لذلك، فحتى وإن تحوّل قلبي إلى بلور، وفقا لتلك المقولة، فلن يمكنني أن أرى ما لا يوجد أصلاً. ويبدو أن الأسرارَ – مثل المدن التي أسقطت اسمي من دفاترها –  هجرتني عمداً إلى قلوب أخرى، أكثر شباباً وطراوةً وحيويةً وفضولاً. وأدركتُ أنا متأخراً للأسف، أن الشيخوخة للقلوب مثل صقيع الشتاء القارس لبهجة عشب الحدائق.

3

ما تبصره القلوبُ لا تراه العيونُ، وقد لا تدركه العقولُ، والعكسُ ليس صحيحاً. أهلُ الله، وهم قلةٌ، يرونه بقلوبهم. لذلك يصفهم الناسُ بالدراويش. والدراويشُ في الدنيا، حسب علمي، نوعان. منهم الصادعون بما يبصرون، ومنهم الصائمون عن الكلام. ولو أبتليتُ بالرؤيا مثلهم، وازدادَ عدد الدراويش واحداً، لأخترتُ أن أكونَ من الصائمين عن الكلام، كي لا يشغلني اللغوُ عن تذوّق حلاوة ما قد يرى قلبي.

 

4

” سبحان اللي هِنتك وهَاونتيني نسيتك بعد ولعات ونسيتيني.” هذا ما يقوله مطلع أغنية “مرسكاوي” قديمة، كثيراً ما كنتُ أسمعها تردد في ليال الأعراس، وفي سهرات السكارى. الأغنيةُ لعذوبتها، ليس عجباً، رغم مرور الأعوام، ما زالت تردد إلى يوم الناس هذا. وأنا لا أذيع سرّاً، ضَبطتُني أرددها مؤخراً، ذات نهار لندني رمادي بامتياز، ولا أعرف السبب. فأنا، حتى حين فتشتُ أوراق قلبي – القديم منها والجديد-  لم أعثر بينها على واحدة تشهد أنني خضتُ غمار تجربة مماثلة لقصة الأغنية تلك، بما يضطرم فيها  من عشق وشوق و توق وفراق وحزن وألم. وربما، وهو السبب الأرجح، أنني، على غير قصد منّي، تذكرت أنني سأغادر هذه الدنيا الجميلة قريباً، من غير أن أَعَشق أو أُعْشقَ. لكن، تقول أغنية مرسكاوي أخرى: ” عُمر الدمع ما حاجة يجيب    وعُمر الحزن ما يصلح الحال.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى