ألرئيسيةالأخيرةرأيمحمد الهادي الجزيري

من ّ جنّة الذئب *” رسالة إلى صديق ..طلبا للنجدة

محمد الهادي الجزيري

 

أخي المتوهّج في هشيم الأمّة

أشدّ على يدك

لن أسألك عن حالك، فالطقس واحد من الملح إلى الوحل، أرجو فقط أن تكون متماسكا رغم فداحة الريح وشراهة الجراد المحيط بنا من كلّ جانب… ، لا شكّ أنّك غاضب منّي ومضرب عن التواصل معي، وإرسال مجرّد تحية مختصرة إلى بريدي الإلكتروني، احتجاجا على عدم تلقّيك ردّ واحد منّي طوال العام الماضي، فاعلم يا أخي أنّني صرت أتجنّب مراسلة أصدقائي المنثورين في رمال الجنوب وثلوج الشمال، كي لا أسقط عليهم غيماتي الثقيلة … ،أنا متعب بي وبكم ومكتظّ بالعالم ومضطرب أشدّ الاضطراب …

لست أدري ما يحدث لي يا أخي

ثمّة أفكار سوداء تسكنني وتوشك على امتلاكي تماما، إنّي أنأى عن نفسي وأتنكّر لها غصبا عنّي، إنّي أتنصّل من طباعي الحميدة وجملة الأخلاق الفاضلة والمبادئ المقدّسة التي آمنت بها، ودافعت عنها منذ مطلع شبابي، لست أدري ما يحدث لي يا أخي، أشعر بالقرف والاشمئزاز من شخصيتي المرنة الليّنة المعتدلة المسالمة…  ، وهذا الشعور الفظيع يتفاقم يوما بعد يوم، ويتلف أعصابي، بل ما تبقّى منها، إنّي رهين حالة مسخ باطني أطبقت عليّ منذ سنتين تقريبا، والغريب أنّها تزامنت مع تفكيري في كتابة رواية محورها ” المدينة الفاضلة”، تلك الرواية المشروع التي حدّثتك عنها، وأخبرت عنها الأمّة فردا فردا، ولم أفلح إلاّ في جمع المراجع، وحشد الكتب الحمراء والصفراء والمرقّطة أيضا، وها إنّي أكتب إليك محاصرا بها، محدّقا في السلّة المتخمة بالأوراق الممزّقة، ومتجنّبا النظر إلى بضع صفحات محبّرة، لا أدري ما الذي يمنعني من إتلافها هي الأخرى، خصوصا أنّي أصاب بالغثيان كلّما قرأتها، كأنّي لست كاتبها، كأنْ أملتها عليّ روح أحد الطغاة، مصّاص دماء، عبَد ذاته ودلّل شهواته… .

لست أدري ما يحدث لي يا أخي

أنت تعلم أنّي ما تحمّست لكتابة “المدينة الفاضلة”، إلاّ لأدافع عن قيّم الحبّ والعدل والحرية والجمال، في عالم يزداد تعفّنا ووحشيّة كلّ يوم، أردت أن أؤسس على بياض أوراقي وخراب العالم مدينة يتآخى فيها خلق الله ويسودها الوئام والتكافل والتسامح والحوار، لأساهم مع الخيّرين في انتشال الإنسان من هوّة الجشع والأنانية، ودعوته إلى التصالح مع ذاته الخيّرة، وبالتالي هدايته إلى الفضيلة الكامنة فيه، فما الذي حاق بي حتّى أكتب ما كتبت

وأعجز عن شطبه وحشره في الدرك الأسفل من سلّة المهملات؟، إنّها صفحات قليلة نعم، لكنّها غاصّة بأناي الممسوخة المتضخّمة، مسكونة بعواء محموم، طافحة بالقذارة والبذاءة والدناءة والخبث والعدوانية، غارقة في محيط من الدماء واللعاب والمنيّ، مثقلة بأوامر الخضوع والذلّ والانبطاح، مشبعة بعديد الأمور المخجلة المنافية للآداب والمثل العليا…

ما الذي حاق بي يا أخي؟

أأنا الوحش الجاثم على هذه الصفحات ؟، … يبدو أنّ الكتب أفسدتني ودنّست روحي، وستقودني إلى الجنون إنْ لم أكفّ عن محاورتها، وإن لم أتخلّ عن كتابة هذه الرواية المشؤومة، كما أشار عليّ الطبيب، نعم لابدّ من تمزيق ما كتبته وإلغاء المشروع برمّته، فقد حادت الفكرة عن صراطها المستقيم، وتوغّلت بي في متاهات مرعبة، مفخّخة بالمسكوت عنه، وأخشى أن أسقط في المحظور، فأعضّ الأرض أو أخدش السماء، فتُحاك لي باقة من التهم المحلّية والمستوردة، قد أُحبس وأنا أفضّل الموت على كلّ ضيق آخر، قد أُنفى من وطني الحبيب الغالي تونس الخضراء، فيشمت فيّ القاصي والداني وخصوصا أعدائي أشباه الشعراء… الببغاوات، ما شأني أنا والعالم، أريد أن أحيى في هدوء وسكينة وسلام مع زوجتي الحبيبة، يكفيني انشغالي بديوني ومطالب البيت التي لا تنتهي، ما أصدق من قال:      ” لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يضع كتابا “.

*جنة الذئب: رواية أصدرتها منذ عشرة أعوام ..وسأعيد نشرها عن دار مسكيلياني …

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق