مقالات مشابهة
تقرير ..علي عبدالرحمن
شهدت المدن الأوروبية في الأسابيع الأخيرة احتجاجاتٍ عارمة، وبينما بدأت معظمها سلمية، انتهى عددٌ كبيرٌ منها بمشاهد عنفٍ ونهبٍ مروعة، فيما استخدمت الشرطة القوة المفرطة لردع المحتجين.
المظاهرات انتشرت كالنار في الهشيم في جميع أنحاء أوروبا تقريبا، من روما وفلورنسا، إلى مظاهرات بمئات الآلاف في أنحاء فرنسا، ومدريد حيث نُصبت خيام في ساحة بوسط المدينة منذ أواخر سبتمبر/أيلول. وفي لشبونة، خرج عشرات الآلاف، معظمهم من الشباب، في مسيرات مطلع هذا الشهر. واستُخدم الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في بروكسل، وفي ألبانيا، يطالب المتظاهرون، الذين يتهمون الحكومة بالفساد، رئيس الوزراء إيدي راما، الذي يتولى السلطة منذ 13 عامًا، بالتنحي.
وتندلع الاحتجاجات في وقت واحد في أنحاء أوروبا، وتركز جميعها على قضايا محددة وهي التعليم، والتفاوتات الاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة.
لكن ما الذي أثار هذا الغضب الشعبي بين شباب أوروبا؟ وهل ترتبط كل هذه المظاهرات ببعضها البعض؟ ومع اقتراب الانتخابات الأوروبية الكبرى، كيف ستختار الحكومات الاستجابة لهذه المظاهرات؟
“تأثير تيك توك”
خرج الطلاب إلى الشوارع في فرنسا وبلجيكا وأيرلندا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وصربيا وألبانيا، ونُظمت هذه المظاهرات عبر منصات مثل تيك توك وإنستغرام. وقد اشتكى وزير الداخلية البلجيكي مما أسماه “تأثير تيك توك” على الاحتجاجات.
ففي فرنسا، انطلقت موجة الاحتجاجات الطلابية الحالية في أواخر سبتمبر/أيلول، مدفوعةً بشكاوى الطلاب من نقص الموظفين وتهالك المباني على مواقع التواصل الاجتماعي، لتنتهي أخيرا بمئات الآلاف من المحتجين في الشوارع.
وفي برشلونة تم تشجيع الطلاب على التظاهر عبر وسوم انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أيضا، وهو السيناريو الذي حدث أيضا في اليونان.
الأزمات المتداخلة
موجة الغضب الأوروبية امتدت لتشمل فئاتٍ أوسع من الشباب، من بينها النقابات العمالية، وحركة السترات الصفراء الفرنسية التي احتجّت على أزمة غلاء المعيشة خلال ولاية ماكرون الأولى، ومبادراتٍ أخرى من المواطنين.
ويقول مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن تراكم أزمات أوروبا، والتي لم يتم التعامل مع أي منها بشكل صحيح، أدت إلى إنفجار هذا الشعور بالغضب المكبوت في الشوارع.
ويُضيف ليونارد إن مجموعات من خلفيات مختلفة ظهرت نتيجة لهذه الأزمات. وقد أدت وسائل التواصل الاجتماعي إلى توحيد وجهات نظرهم المتباينة، مما أدى إلى شعور بالاستقطاب في أوروبا بأكملها.
ازدواجية المعايير
وعلى النقيض من مواقف الدول الأوروبية تجاه حقوق الانسان في جميع أنحاء العالم، تواجه الحكومات الأوروبية المتظاهرين بالعنف تارة وبالتشكيك والتخوين تارة أخرى.
ففي فرنسا التي لطالما انتقدت قمع المتظاهرين في إيران، يلقي اليمين والوسط السياسي بمن فيهم ماكرون، باللوم على جماعات اليسار الراديكالية و”المنحرفين” في التخطيط لأعمال الشغب.
بينما يتهم النقاد الأحزاب المناهضة للهجرة في أوروبا بمحاولة استغلال أعمال الشغب لتحقيق مكاسب سياسية.
ففي بلجيكا، بدا أن حزب فلامس بيلانغ القومي الفلمنكي المعارض للهجرة يُلقي باللوم على المهاجرين في أعمال العنف التي شهدتها مدينتا لييج وبروكسل، واصفًا أعمال الشغب بأنها “مستوردة” ومُحمّلًا إياهم مسؤولية فشل الاندماج وسياسة الحدود المفتوحة.
وقد تم اعتقال عشرات الآلاف من المتظاهرين في كامل أوروبا بمن فيهم قاصرين، وتعهدت إيطاليا وفرنسا بفرض سياسة “من يكسر، يدفع الثمن” على مثيري الشغب.
لكن بعض هذه الحكومات الأوروبية قد لا تصمد في السلطة طويلًا أمام هذه الاحتجاجات.
تقوم أوروبا الحديثة على مبدأ أن المواطنين يدفعون الضرائب ويلتزمون بالقوانين، وفي المقابل يحصلون على خدمات عامة جيدة، مثل التعليم والرعاية الصحية، والأمان الشخصي، ومجتمع مستقر يلتزم بقواعد وأنظمة محددة.
لكن من الواضح أن هذا “العقد الاجتماعي” قد تآكل وأصبح مهددا بالانهيار.
مصدر الصورة: رويترز
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية