منصة الصباح
الدكتور عبدالكريم الزياني

من التوظيف إلى الإنتاج: رؤية لإحياء صندوق التحول للإنتاج

د. عبدالكريم الزياني

تواجه ليبيا اليوم تحديا اقتصاديا لا يقل أهمية عن التحديات السياسية والأمنية التي مرت بها خلال السنوات الماضية. فالدولة التي اعتمدت لعقود طويلة على الوظيفة الحكومية كمصدر رئيسي للدخل أصبحت أمام واقع جديد يفرض البحث عن حلول أكثر استدامة وقدرة على خلق الثروة وتنويع الاقتصاد. وفي ظل ارتفاع أعداد الشباب الباحثين عن فرص العمل وتزايد الضغوط على الميزانية العامة تبرز الحاجة إلى إعادة تفعيل صندوق التحول إلى الإنتاج برؤية جديدة تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي وتطلعات الأجيال الجديدة.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن مستقبل الاقتصادات الحديثة لا يبنى على التوظيف الحكومي وحده. بل على المبادرة الفردية وريادة الأعمال والقطاع الخاص القادر على الابتكار وخلق فرص العمل. ومن هنا فإن إعادة إحياء صندوق التحول إلى الإنتاج يجب أن تتحول من مجرد برنامج تمويلي إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الاقتصاد الليبي على أسس الإنتاج والمعرفة والاستثمار.

وتكمن أهمية هذه الفكرة في توجيه جزء من الموارد العامة نحو دعم الشباب الليبي لإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة في قطاعات واعدة تمتلك فرصا حقيقية للنمو والاستمرار. وفي مقدمة هذه القطاعات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والطاقة المتجددة والمشاريع الزراعية الحديثة والصناعات الصغيرة والمتوسطة. فهذه المجالات أصبحت اليوم المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في كثير من دول العالم وهي قادرة على توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

إن ليبيا تمتلك مقومات كبيرة للنجاح في هذه القطاعات. فالشباب الليبي يتمتع بمستوى جيد من التعليم والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة. كما تمتلك البلاد مساحات زراعية واسعة وإمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية إضافة إلى سوق محلية تحتاج إلى العديد من المنتجات والخدمات التي يمكن تصنيعها وتقديمها محليا بدلا من الاعتماد المفرط على الاستيراد.

ولكي يحقق صندوق التحول إلى الإنتاج أهدافه يجب أن يعتمد آليات حديثة وشفافة في اختيار المشاريع وتمويلها ومتابعتها. فلا يكفي تقديم القروض أو المنح المالية ثم ترك أصحاب المشاريع يواجهون التحديات وحدهم. بل ينبغي أن يترافق التمويل مع برامج تدريب وتأهيل واستشارات فنية وإدارية وتسويقية تضمن زيادة فرص النجاح والاستمرارية.

ومن المقترحات المهمة في هذا الإطار أن يكون صندوق التضامن الاجتماعي شريكا استثماريا بنسبة 10% في كل مشروع يتم تمويله من خلال الصندوق. وتكمن أهمية هذا المقترح في أنه يخلق علاقة مباشرة بين التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية. فالعوائد التي تحققها المشاريع الناجحة يمكن أن تسهم مستقبلا في تعزيز موارد الصندوق ودعم الفئات الأكثر احتياجا من الأيتام والأرامل والأسر محدودة الدخل. وبهذا تتحول التنمية إلى عملية متكاملة يستفيد منها المجتمع بأكمله.

كما أن وجود هذه الشراكة يعزز الرقابة والمتابعة ويشجع على نجاح المشاريع لأن جميع الأطراف ستكون معنية بتحقيق أفضل النتائج الممكنة. ويمكن إنشاء وحدات متخصصة للمتابعة والتقييم تعمل وفق مؤشرات أداء واضحة وتقدم تقارير دورية حول مراحل التنفيذ ونسب الإنجاز والعوائد الاقتصادية والاجتماعية المتحققة.

ومن الضروري أيضا الاستفادة من التحول الرقمي في إدارة الصندوق. إذ يمكن إنشاء منصة إلكترونية متكاملة لاستقبال طلبات التمويل وتقييم المشاريع ومتابعة تنفيذها بشكل شفاف يحد من البيروقراطية ويضمن تكافؤ الفرص بين المتقدمين في مختلف المدن والمناطق الليبية. كما يمكن استخدام التقنيات الحديثة لتحليل البيانات وقياس أثر المشاريع وتحديد القطاعات الأكثر نجاحا وجدوى.

إن النجاح الحقيقي لهذا المشروع لا يقاس بعدد القروض الممنوحة أو المشاريع المسجلة فقط. بل بعدد الشركات المستمرة والوظائف التي تم خلقها والقيمة المضافة التي دخلت إلى الاقتصاد الوطني. فكل مشروع ناجح يعني أسرة أكثر استقرارا وشابا أكثر أملا ومجتمعا أكثر إنتاجا.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرصة. فالدولة القوية ليست تلك التي توظف أكبر عدد من المواطنين في القطاع العام. بل تلك التي توفر البيئة المناسبة ليصبح مواطنوها منتجين ومبدعين وقادرين على بناء مستقبلهم بأيديهم.

إن إعادة تفعيل صندوق التحول إلى الإنتاج وفق رؤية عصرية تستند إلى الابتكار والرقمنة والشراكة المجتمعية يمكن أن تكون واحدة من أهم الخطوات الاقتصادية في ليبيا خلال السنوات القادمة. وهي فرصة حقيقية لتحويل الثروة الوطنية من مورد للاستهلاك إلى أداة للاستثمار والتنمية المستدامة. وعندما يصبح الشباب شركاء في الإنتاج بدلا من انتظار التوظيف وعندما تتحول المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى محرك للاقتصاد الوطني ستبدأ ليبيا فعلا مرحلة جديدة عنوانها العمل والإبداع والاعتماد على الذات.

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

حين يرحل المايسترو

جمعة بوكليب زايد…ناقص في البلدان ذات الأنظمة الحزبية، يُردّد الساسة دائماً أن مصلحة الوطن تعلو …