ألرئيسيةالأخيرةجمعة أبوكليبرأي

مناكفات عابرة

زايد …ناقص

جمعة بوكليب

 -1 اسرافٌ في الخيال

لم يَعدْ لي، منذُ زمنٍ،  أسرارٌ أُسرُّ بها إلى أحدٍ، أو أُخْفيها عن أحدٍ، وهذا أمرٌ ليس سيئاً، لأن من ضمن معانيه  المحتملة أن يعيشَ  المرءُ، إلى حد ّما،  بقلبٍ شفيف غير مثقل بخطايا.

لم يعد لي، منذ زمن، أصدقاءُ أيضاً. وهو أمرٌ سيءٌ للغاية، ويدعو أصحاب القلوب الطيبة للشفقة.  لكن،  في ذات الوقت، ما حاجةُ إمريء لأصدقاء،  إذا كان، مثلي، ماتت أمه مؤخراً، وأضحى يعيش حياةً لا تتجاذبها أسرارُ،  ولا يظللها لهوٌ وعشقُ، ولا عملَ له  كل اليوم سوى متابعة ما تتناقله قنوات العالم من أخبار دنيا تلتهمها نيرانُ حروبٍ لا علاقةَ له بها؟

في الآونة الأخيرة صرتُ أتسوّلُ  – معظم فترات النهار والليل – رفقةَ  شعراء مُنْهَمِكِين في البحث عن معنى لواقع هجرته الحياةُ. ويكتبون، بلا توقف أو كللٍ،  شِعراً  بلغة أكثر طزاجة من السمك في البحر،  ولا يقرأه سواهم!

وأنا صرتُ مثلهم،  أكتبُ، من حين لحين، قصائدَ أقرأها لنفسي، وأمزقُها  بلا ندم أو أسف  نتفاً صغيرة، ثم اتركها ملقية على سطح مكتب خشبي عتيق،  وأغادر محبطاً ما تبقى من وحشة بين جدران بيتي ، وأتسكعُ وحيداً في الشوارع،  على قدمين واهنتين، بلا هدف، مترصداً، بحسرةٍ وغيرةٍ،  مباهج حدائق الأنوثة من حولي، ومستغرقاً في البحث عن معنى العيش في مدينة مأهولة بالبشر لا يفتقدك فيها أحد، أو تفتقد فيها أحداً. وفي أوقات أخرى، أسمح لنفسي بترف  الغناء، بصوت لا يسمعه سواي، متجنّبا زحام الأرصفة، ونائياً بوحشتي عن غواية المقاهي والحانات.

وعلى ذكرِ الحاناتِ، وددتُ، مراراً عديدة،  لو تختطفُني في غفلة منّي  حانةٌ مزدحمةٌ، في شارع مزدحم، ثم تبصقني آخر الليل، على الرصيف، وتلتقطُني غيمةٌ  في غفلةٍ من ضَجَرها.وأعترف أن  هذا اسرافٌ منّي في الخيال.

هل الإسرافُ في الخيالِ عَرضٌ آخرُ من أعْرَاضِ شيخوخة مبكرة؟

 

 

 

 

-2خَيطُ دُخَانِ

 

يُحيّرنُي ولايُربكني. يُقلقُني ولا يُؤرّقني: صَمتُ حَديقتي.

مُنذُ أن حَللتُ بـ”وريستر بارك”، وحَططتُ رِحَاليً  مقيماً ببيتٍ في “غرين لين”، اخترته كِنّاً لأفراخي، وسَريراً لأوجاعي، وهي  على حالها، وكأنها  تلتذُ بما يَحدثه صدى  وحشةِ صمتها  من أسئلة في خريف أشجاني.

ما تَكاثرَ فيها، بمرورِ الوقتِ، من عُشبٍ وشَجرٍ وورودٍ  يجعلني مُفتتناً، مُفتخراً. ولا أعرفُ، قبل حلولي، ما وثّقته الأيامُ في كتاب سِيرتها. لكنّها لاتختلفُ عن حدائقِ جيراني، ولا ما عَرفتُ قبلها، وما قد تعرفُ أحزاني.

كلُ فصـــــــولِ العام ، تقبع باسطة ذراعي صمتها، غير آبهةٍ بحضوري، جالساً على مقعدٍ،  في ركنٍ منها، أُدخنّ سجائر مُرّة الطعمِ،  مُستغرقاً في محاولة فهم علاقة بين طزاجةِ عُشبٍ وشَجرٍ بأغصانِ. وحين يجيء المطرُ، يتلاشى عن عينيّ حديقتي غبشُ أوهامها، فتراني واقفاً، على قدمين هرمين، كظلٍ نحيلٍ، أو طيفاً واهناً كخيطِ دخان.

 

3 – سؤال

-إنها تمطر من جديد.

تمتم رجلٌ مسنٌّ يجلس بجانبه، على مقعد في حافلة متجهة إلى منطقة “غرين بارك”، دون أن يلتفت نحوه. تساءل في نفسه: هل كان جاره يحاول أن يمد جسراً بينهما لحديث عابر أم أنه كان يعبّر عن تذمره من هطول مطر؟

في محاولة لمدارة ارتباكه المفاجئ، تدثر بصمته، وتشاغل بتصفح عناوين أخبار في صحيفة كانت معه، بينما واصلت الحافلة طريقها، تحت غزارة المطر، بنفس إيقاع سرعتها العادية، وظل الرجل، بجانبه، ملتفتاً بوجهه نحو النافذة، متابعاً بعينيه انهمار مطر غزير في شوارع مدينة خبرتْ، على مر العصور، كيف تروض النسيان والغرباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى