ألرئيسيةالأخيرةجمعة أبوكليبرأي

ملاحظات عن الثقافة      

زايد…ناقص

جمعة بوكليب

 

 

رُبَّ ضارةٍ نافعة، كان ذلك المثلُ أول ما تبادر إلى ذهني، وأنا أقتعد كرسيّاً في الفناء الخارجي، بالطابق العلوي الملاصق لصالة المحاضرات، بمقر دار الفقيه حسن، في تلك البقعة التاريخية العتيقة المميزة من طرابلس، بجوار قوس ماركوس أوريليوس، وجامع قرجي، وعلى بعد أمتار قليلة من المرسى، وجامع سيدي عبد الوهاب القيسي. صحو سماء خريفية مسائية من فوقي. وأمامي، على بعد مرمى حصاة،  تغريني بغوايتها زرقة بحر، تمتد بلا نهاية، في أفق مفتوح.  ومن حولي، وبجانبي، يجلس أصدقاء وزملاء من الجنسين، مجتمعين و منصتين في لمة حلوة، أقامتها جمعية  الآداب والفنون الليبية في طرابلس، مساء الثلاثاء الماضي، ايذاناً ببدء دورة جديدة من نشاطها الثقافي المميز. افتتح الموسم الجديد الصديق الدكتور جمعة عتيقة  بمحاضرة بعنوان: “لمحات عن الحياة  السياسية في ليبيا في ستينيات القرن الماضي.” فكان خير مفتتح.

ما كنتُ ظننته ضرراً: انقطاع التيار الكهربائي، قبل قليل من – الساعة الخامسة بعد الزوال-  من الوقت المخصص للمحاضرة، وبما يشبه مؤامرة من تدبير ساحر. لكن السحر، لحسن حظي وحظ الحاضرين جميعاً، انقلب، فجأة، على الساحر ومكره، فتحوّل انقطاع الكهرباء  إلى نعمة ربانية، جاءت على شكل هديّة غير متوقّعة، استدعت أن تقوم اللجنة المشرفة بتغيير مكان المحاضرة من قتامة الصالة المخصصة إلى انفساح الفناء العلوي، ونسيم ( البروة). فابتهجت أساريري، ورصدت في داخلي غبطة تتسلل  إلى حنايا قلبي، سرّبها  نسيم بحري في وقت عصرية آخّذة، أنعشت روحي، و أيقظت حواسي، فتمنّيت لو أن لحظة صفاء القلب والروح تلك تدوم إلى الأبد. لكن الأماني، مثل الحبّ، ليس من طبيعتها الدوام، وليس من خصائصها أن تقينا تقلبات الوقت. الأماني، في ذات الوقت، نوافذٌ صغيرةٌ، تألفنا ونألفها، تُفتح أمامنا بلمسة صغيرة منّا، لتطل منها أحلامُنا البسيطة، ممكنة التحقق أحياناً.

لم يكن عدد الحاضرين لافتاً للأنظار. لكن نوعية وجدّية من حضروا كانت بارزة كعلامة: كاتباتٌ وكُتّابٌ. صحافيات وصحافيون. مسرحيون، ومحامون، وسياسيون، وناشطون في المجال العام، كلهم تحلّقوا في دائرة يتابعون، بجديّة واهتمام ، ما  حرص  المحاضر أن يلفت انتباههم إليه ، من محطات تاريخية، انتقاها من تاريخه الشخصي، وتجربته الشخصية، في تاريخ حركة سياسية ليبية اتسمت، مقارنة بغيرها، بهشاشة ملحوظة وعدم استمرارية، وسذاجة أيضاً.

النقاش الذي أعقب المحاضرة، تكفل بتوضيح وتكميل العديد من النقاط. لكن الأهمَّ من ذلك هو ذلك الجو الإنساني الذي غمر المكان الصغير بمساحته، والعظيم بمعناه وبتاريخه، وأضفى عليه رونقاً، وهالة من احساس حضاري مختلف عن محيطه، أحاط دفؤه بالجميع.

قد لا يكون للثقافة حُصة في بلادنا، مقارنة بما تحظى به مناشط أخرى عديدة، استحوذت على عقول واهتمامات قطاعات كبيرة من الليبيين، خاصة الشباب منهم. لكن الثقافة بطبيعتها نشاط مميز، وقد يكون نخبوياً أغلب الأحيان، ليس في ليبيا فقط، بل في عديد من بلدان العالم العربي، وفي بلدان العالم الثالث. وما يميزها أنها رغماً عن كل ذلك، قادرة، في كثير الأحيان، على ضخّ دم الحياة في أبدان وقلوب مجتمعات. وقادرة، أيضاً، على  رفع مستوى الشعوب حضارياً، وتضفي على الواقع لمسة خاصة ومميزة، ترفع من مستواه الحياتي، وتضعه في مستوى أرقى وأفضل انسانياً. لذلك ، تكتسب دار الفقيه حسن مكانتها وقيمتها لما تمثله تاريخياً وحضارياً، ولما تقدّمه من مناشط ثقافية. والشيء نفسه يقال عن جمعية الآداب الفنون الليبية، وكل أولئك الأشخاص الحريصون على استمرارها في أداء دورها. فشكراً لهم جميعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى