منصة الصباح
طارق القزيري

مقترح النحيب: مجرد ضريبة… ومسالة شرف

لم تكن رسالة 15 يناير 2026 المنسوبة لرئيس لجنة الاقتصاد والتجارة بمجلس النواب الليبي بدر النحيب مجرد وثيقة إدارية تتعلق بضرائب إنتاج واستهلاك، بل كانت الشرارة التي كشفت كيف يمكن لملف اقتصادي بحت أن يتحول إلى ساحة صراع هوياتي. 

فبدلاً من أن يدور النقاش حول جدوى الضريبة وصلاحية إقرارها وأثرها على المواطن، انزلق سريعاً نحو سؤال مختلف تماماً: من يجرؤ على انتقاد أبن القبيلة؟

هذا الإنزلاق ليس عرضياً ولا عفوياً، بل هو جوهر ما يفعله خطاب الكراهية حين يشتغل كتقنية سلطة لا كانفعال عابر. فهو يعيد تركيب المشهد بحيث يختفي الفعل المنتقَد ويحل محله الناقد بوصفه المشكلة، ويتحول النقاش من فضاء عام يخص الجميع، إلى نزاع خاص على الشرف والوجاهة.

من النقد السياسي إلى التعدي على الجماعة

حين صدرت بيانات منسوبة لممثلين عن قبيلة العواقير ترفض ما وصفته بحملات التشويه ضد النائب وأسرته، لم يكن ذلك دفاعاً عن موقف سياسي بقدر ما كان إعلاناً بأن أي نقد للشخص هو اعتداء على الجماعة بأسرها.

هذه النقلة قاتلة للمجال العام لأنها توسع دائرة الخصومة تلقائياً، وتحول المنتقد من خصم سياسي يمكن الحوار معه، إلى عدو وجودي يجب التصدي له.

في هذا السياق يصبح خطاب الكراهية أداة مريحة لأنه يمنح المتكلم شعوراً بالقوة واليقين، ويوفر لجماعته حصانة أخلاقية جاهزة، ويعيد توزيع الشرعية بحيث يغدو السؤال عن صلاحيات مجلس النواب أو شفافية القرار نوعاً من الخيانة أو العمالة، أو على الأقل سوء الأدب.

الفضيلة المسلحة

ما يجعل خطاب الكراهية فعالاً أنه لا يقدم نفسه بوصفه عدواناً بل بوصفه دفاعاً عن قيم نبيلة كالشرف والغيرة والنخوة. لكنه عملياً يصنع لا مساواة في الحق، إذ تصبح جماعة بعينها مالكة لحق مطلق في الدفاع والهجوم بينما ينتزع من الآخرين حق النقد وربما حق الوجود الرمزي داخل الجماعة الوطنية.

وهكذا يكون الموقف دفاعياً في ظاهره لكنه مطلق في هجومه، درع يطلق النار.

والأخطر من ذلك أنه ينتج ما يمكن تسميته بـ”الصمت الوقائي”. حيث لا يسكت الناس لأنهم مقتنعون بل لأنهم يتجنبون فاتورة العار أو التهديد أو القطيعة الاجتماعية.

وبهذا يتحول خطاب الكراهية إلى أداة ضبط للمجال العام، دون حاجة إلى قرار رسمي أو سلطة قانونية.

الدولة تتقهقر والقبيلة تتقدم

حين تُدار أزمة قرار اقتصادي ببيانات هوية وتعبئة قبلية، تتراجع فكرة الدولة بوصفها إجراءات وقواعد ومؤسسات، وتتقدم العصبية بوصفها مرجعاً أعلى.

النتيجة أن 85 نائباً يعلنون أن القرار لم يصدر عن رئاسة المجلس، فيما يتحول النقاش في الفضاء العام إلى معركة ولاءات لا علاقة لها بالسؤال الأصلي: هل الضريبة مشروعة؟ ومن يملك صلاحية إقرارها؟ وما أثرها على أسعار السلع الأساسية؟

المفارقة أن خطاب الكراهية لا يمثل حتى الجماعة التي يدّعي الدفاع عنها، وقد ظهرت أصوات من داخل “العواقير” أنفسهم تنتقد البيان الصادر باسمهم، مما يكشف أن هذا الخطاب يحاول احتكار المجتمع والتكلم باسمه، لا تمثيله فعلاً.

الربح السريع والخسارة الجماعية

خطاب الكراهية يربح بسرعة لأنه لا ينافسك في الحجة بل يرفع كلفة الكلام عليك، ثم يدّعي أنه يحمي القيم.

لكن ربحه السريع هو خسارة جماعية للمجال العام وللدولة وللمجتمع بأسره، إذ يحول السياسة إلى شرف لا يُناقش، والخصم إلى تهديد وجودي يبرر كل شيء، والمجتمع إلى معسكرات تنهار فيها إمكانية الشراكة ويصبح الحق في الكرامة امتيازاً للفريق لا مبدأ للجميع.

طارق القزيري

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

” بُوسطَه”

زايد..ناقص كانت فيروز إلى جانبي، على فراش سرير فردي، في غرفة صغيرة، في شقة قديمة، …