ألرئيسيةرأي

مـعـطـن الســارة  3 – 4

 مفتاح قناو

 

رغم ارتفاع حدة التوتر على الحدود بين ليبيا وتشاد، بعد سقوط وادي الدوم،  وتكثيف الغارات الجوية لتدمير ما تركته القوات المنسحبة من عتاد لكي لا يستفيد منه العدو، إلا أن الأمور داخل قاعدة السارة الجوية لم تكن على ما يرام فباستثناء قوة السلاح والدفاع الجوي التي كانت مكونة من ضباط نظاميين متخصصين في عملهم بشكل جيد، إلا أن الوهن كان ظاهرا على القوات البرية المكونة من خليط غير متناسق من المجندين غصبا عن إرادتهم، والذين لم تكن لهم دراية بفنون الحرب، ويبدو ذلك واضحا من تصرفاتهم التي تعطي انطباعا بأنهم لم يكونوا في حالة حرب بل فيما يشبه رحلة خلوية، فهم ــ أثناء حركتهم ــ لا يحملون سلاحا شخصيا، ولا يكترثون بمسائل الانضباط والضبط العسكري، بينما تتحرك القوات التشادية المسماة بالقوات الصديقة والبالغ عددها ــ في محيط القاعدة ــ حوالي ألف جندي بانضباط كامل، يركبون سيارات (التيوتا العسكرية) ستة جنود بكامل سلاحهم، يحمون ظهور بعضهم البعض ويوجهون أنظارهم وسلاحهم إلى الخارج.

من المفاجئات الجميلة في السارة أنني قد وجدت الدكتور علي المريمي هو الطبيب المسؤول عن العيادة الوحيدة في قاعدة السارة وهو أيضا صديق وزميل دراسة، تبادلنا الحديث عن متاعبه في العمل وعن افتقار العيادة لكثير من الأساسيات، وعن صدفة أن تجد صديقا في هذا المكان النأي.

بدأت طلائع الفارين من وادي الدوم تصل إلى قاعدة السارة الجوية، وقررت إدارة القاعدة إنشاء مخيم يؤويهم يبعد قليلا عن مركز القاعدة حتى لا يسبب الازدحام مشاكل أخرى، بينما استمر العمل في خط الطيران بوثيرة متصاعدة، عشرات الطلعات اليومية لتدمير القوات المعادية، وشارك الطيران العمودي في انقاد التائهين في الصحراء.

ففي مساء احد الأيام كانت الطائرة العمودية (مي بقيادة الطيار فتحي ابورقيقة في رحلة عودة إلى القاعدة وقد شاركت في انقاد بعض الجنود المنسحبين من وادي الدوم، إلا أن عاصفة رملية شديدة منعت الطيار من الرؤية فقبل أن يهبط على مدرج المطار اصطدمت الطائرة بكثبان رملية عالية، مما تسبب بوفاة جميع ركابها

_______

مضت الأيام في واحة السارة بطيئة، تزايد فيها كل يوم عدد الفارين من جحيم معارك وادي الدوم وامتلأت خيام المعسكر المؤقت الذي تم إعداده على عجل لاستقبالهم.

قمت مع بعض الزملاء بزيارة المخيم للسلام والترحيب بالناجين من الكارثة، والتعرف عليهم، كانت غالبية الواصلين من مناطق الشرق الليبي، لأن تقسيم النصف الشمالي لتشاد بين المناطق العسكرية الليبية كان بشكل تسيطر فيه قوات المنطقة العسكرية الشرقية على الشمال الشرقي لتشاد، وتسيطر قوات المنطقة العسكرية الغربية على الشمال الأوسط لتشاد، وتسيطر منطقة سبها العسكرية على الشمال الغربي لتشاد، وبذلك فأن معسكر وادي الدوم يتبع للمنطقة العسكرية الشرقية.

سلمنا على العشرات ممن وجدناهم أمام الخيام، حمدنا الله على سلامتهم، وتبادلنا معهم الحديث، واستمعنا إلى انفجار غيظهم المكتوم منذ سنوات عن الظروف السيئة التي كانت تحيط بهم، من بين المنسحبين من وادي الدوم كان هناك أب وابنه، مجندان من برقة، جمعتهما حرب تشاد، ووصلا إلى السارة معا.

في إحدى الخيام سلمت على الجالسين دون أن أعرف منهم أحدًا، وبعد الإنتهاء من السلام بادرني أحدهم بالسؤال:

ـــ كيف ما عرفتنيش يا فلان ؟

وذكرني بالاسم، عدت إليه تفرست في الوجه طويلاً حتى انتبهت إلى أنه الصديق حسين بيدوس من مدينة صبراته، يا الله ذلك الشاب الرائع الذي لم التقِ به منذ عدة سنوات، ماذا فعلت به الحرب ؟ يبدو كهلا برغم أنه مازال في منتصف العشرينات.

تواصلت مهمة العمل الموفدين لأجلها، وشاركنا زملاءنا في تجهيز طائرات الباتروس L39 التدريبية، وإعدادها للمشاركة في العمليات الفعلية داخل العمق التشادي دعما وتغطية للقوات المنسحبة، وفي أوقات الفراغ كانت هناك جلسات سمر وحكايات.

لكن الجلسات المهمة ــ وبترتيب من القدر ــ كانت مع الزميل يوسف تاكيتة تحدثنا عن ذكريات الدراسة في بلاد التشيك، وعن هذه الحرب الملعونة ومتى تنتهي، لم أكن أعلم حينها بأنها الحوارات الأخيرة بيننا، وأننا لن نلتقي مجددا، فبعدها بأيام غادرتُ معطن السارة عائدا إلى طرابلس، وانتقل يوسف مع سرب الباتروس إلى قاعدة الكفرة ومنها باتجاه الشمال إلى قاعدة الخروبة، ليفقد يوسف حياته وسط بحر الرمال نتيجة عطل بمنظومات الطائرة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى