ألرئيسيةالأوليالثقافية

مذكرات صوفيا تولستوي

ترجمة / عبد السلام الغرياني

لقـد َ دّون الكثيـر منهـم أدق التفاصيـل عـن حيـاة الرجــل العظيــم حتــى أنهــا موجــودة الآن فــي مــن مجلــدات عديــدة، ســجلت كل شــيء تقريبــا بداياته حتى وفاته، وتولسـتوي نفسـه له مدوناته الخاصـة بحياتـه.

الجميـع كتـب؛ طبيبـه الخـاص، السـكرتاريا، تلاميـذه، أولاده، والأهـم مذكرات أو يوميـات زوجتـه، صوفيـا أو الكونتيسـه صوفيـا.

بـدأت بتدويـن يومياتهـا فـي السادسـة عشـرة مـن عمرهـا، ولكـن تسـارعت أكثـر بعـد 1862 عندمـا تزوجــت تولســتوي، إنهــا لــم تتوقــف عــن الكتابــة حتـى وفاتهـا عـام 1919.

فـي الوقـت الـذي هـددت فيه الثورة البلشـفية بالاسـتيلاء على 4000 فدان من الأرض حيث عاشـت أكثر من نصف قرن بها. ”

كان ثمــة اجتمــاع لبحــث أفضــل الســبل للدفــاع عــن المزرعــة الضخمــة ضــد النهــب« كتبــت فــي أواخــر يومياتهــا »لــم يتقــرر شــيء. العربــات، الثيــران، والنــاس، يتدفقــون علــى طــول الطريــق ينحـدر تولسـتوي مـن طبقـة النبـلاء ولـه ممتلـكات ّ إلــى تــوال« كل شــيء أحبتــه مهــدد بالدمــار.

ضخمــة وعقــارات وكذلــك كتــب مشــهورة تحمــل اســمه. لقــد ســافر إلــى الغــرب وعــاش حيــاة صاخبــة ومعربــدة ثــم قــرر الاســتقرار مــع فتــاة عــذراء فــي كل شــيء تبلــغ التاســعة عشــرة مــن العمــرالتــي ولــدت لــه أخيــراً  13 طفــلا.

وســاعدته فــي عملــه ( لقــد نســخت بيدهــا الحــرب والســلام وكذلــك أنــا كارينينــا، عــدة مـرات)، وكانـت المشـرفة علـى مزرعتـه الكبيـرة.

.لقـد كانـت رحلـة حياتهـا مثيـرة، لكنهـا أثبتـت أنهـا فــي مســتوى المهمــة، قــدر لهــا زوجهــا ذكاءهــا وحســن تدبيرهــا، وهــي بدورهــا أحبــت ليــس شـخصه وحسـب وإنمـا صيتـه وسـمعته وتعتبرهـا ميـزة مميـزة أن تعيـش بالقـرب مـن رجـل، شـهرته . تنمــو شــيئاً فشيئاً.

المشــكلة أن تولســتوي وفــي منتصــف عمــره حدثــت لــه مفارقــات ونقــلات حاسمة، حيث أدار ظهره للكتابة الخلاقة وأصبح كمعلـم ديـن ثـم مضـى فـي هـذا الاتجـاه حتـى بـات قديساُ أكثر منه رجل دين ، محاطا بتلاميذه من كل انحاء العالم (بمن فيهم غاندى) لقد شكل مسيحيته الخاصة . والاسوأ من كل ذلــك- مــن وجهــه نظــر صوفيــا- حينمــا هــدد بالتخلــي عــن جميــع ممتلكاتــه بمــا فــي ذلــك حقوقــه فــي مؤلفاتــه للشــعب الروســي. إنهــا درامــا نفســية التــي ظهــرت عليــه.

لقــد كانــت معركــة صوفيــا مــع تلاميــذ تولســتوي الذيــن يريــدون التوغــل فــي روح تولســتوي العميقــة،.ازدادت مذكراتهــا حمــة فــي 1880و 1890والعقــد الأخيــر مــن حيــاة تولســتوي (- 1900 : )وجعلــت مــن هــذه القــراءة مروعــة كمــا فــي تدوينهــا يــوم 19نوفمبــر 1903: ذهبــت إلــى غرفــة (زوجــي) هــذا المســاء بينمــا كان يســتعد للنــوم، أدركــت أننــي لــن أســمع كلمــة لطيفــة أو محببــة منــه الآن وإلــى وقتــي الحاضــر هــذا. الــذي توقعتــه أصبــح حقيقــة، زوجــي الملــيء بالعاطفــة التــي قــد ماتــت، لا للصداقـة التـي لـم تكـن سـابقا لـن أجدهـا الآن هــل هــي كذلــك؟ هــذه الحيــاة ليســت لــي. ليــس ثمــة مــكان أضــع فيــه طاقتــي وشــغفي بالحيــاة؛ لا اتصــال بالنــاس، لا الفــن، لا العمــل، لا شــيء غيــر الوحــدة والعزلــة طــوال اليــوم.

إنهــا تــرى نفســها محاطــة بـ«هذيــان المجانيــن« كل الحديــث الــذي يــدور حولهــا عــن وحدتهــا والمقاومــة السياســية وحياتهــا كنباتيــة لا تــأكل اللحــم، لقــد أصبــح لزوجهــا أتبــاع، تجمهــروا حولــه خيمــوا خــارج مزرعتــه، لإجــراء المقابــلات والتقــاط الصــور، ويقولــون للعالــم ّ ، كلــه أن صوفيــا وتولســتوي كانــا علــى خــاف.  إنهــا تتســاءل بدهشــة هــل ثمــة مــن يريــد.

فعـلا معرفــة مــا يــدور فــي حياتهــا الخاصــة؟ فــي إحــدى مذكراتهــا المبكــرة والتــي تــدل علــى حساســية مرهفــة لعالــم مفقــود، كتبــت فــي 4 أكتوبــر 1878 :إنــه عيــد ميــاد ابنتــي (تانيــا(.الرابــع عشــر، ذهبــت إلــى المزرعــة الصغيــرة، أيــن الأطفــال؟ فــي نزهتــم البهيجــة، كان ثمــة أربعــة مواقــد نــار مضرمــة فــي الحطــب مــع  الهــواء الطلــق… قضينــا وقتــا ممتعــا وأكلنا كثيـراً ، كان طقسـا رائعا . عدنـا إلـى المنـزل لعبنـا لكروكيـة (لعبـة بالكـرات الخشـبية) سـمعنا وقـع خبــب الخيــل والحميــر حولنــا… هــاج الأطفــال وقفزوا من فورهم  واندفعوا ينطون على الحمير . شربنا الشمبانيا في صحة ( تانيا): لقد ارتبكت و احمر وجهها خجلاً لكنها كانت مسرورة . حياة عائلة تولستوي كانت جيدة ( نعرف من خلال هذه المدونات شخصيات كانت مقربة من الاسرة وغيرهم ). حفلات العشاء و الشاي والنزهات ورحلات  الصيد و المسرحيات ( كان الاوبرا اهتمام خاص لصوفيا )، ولسير لمسافات طويلة عبر الريف وركــوب الخيــل. إنهــم يمضــون الشــتاءات فــي مدينــة موســكو. حيــث يمتلــك تولســتوي منــزلا  هنــاك. كل شــيء كان عظيمــا…

و فــي النهايــة- رفــض تولسـتوي هـذا الانغمـاس الذاتـي، ونظــر إليــه باشــمئزاز وأحــاط نفسـه بمجموعـة مـن الأشـخاص يتقاســمون الفكــر نفســه.

مــن جانبهــا لــم تقــف صوفيــا خــارج دائــرة زوجهــا.« إن أتباعــه ليــس لهــم جاذبيــة، ليــس بينهــم ، أحــد يبــدو طبيعيــا وأغلــب النســاء فــي حالــة هســتيريا دائمــة« غالبــا مــا

بــدا بــارد المشــاعر معهــا، كمــا دونــت فــي 5 فبرايــر 1895 .خرجــت مــع زوجهــا فــي جولــة صيــد وكانــت تدعــوه (ليوفوشــكا) تحببــا: كان ليوفوشــكا واقفــاً وراء شــجرة… وســألته لمـاذا توقـف عـن الكتابـة. تطلـع حولـي ونظـر إلـي بطريقـة كوميديـة وقـال “ليـس ثمـة مـن يسـمعنا غيــر الأشــجار يــا عزيزتــي »إنــه يدعــو كل أحــد بعزيــزي أو عزيزتــي مــع تقدمــه فــي العمــر(،»لذلـك أقـول لـك، كمـا تريـن، قبـل أن أكتـب شـيئا جديـداً“يجـب أن التهـب حبـا – وهذا انتهى الآن !!””

” ياللعار قلت ثم اضنفت على سبيل المزاج ” يمكنك الوقوع فى حبى إن شئت وعندئذ يمكنك كتابة الجديد !!” ” لا .. فات الأوان ” قال إنها غالباً ماكانت ثورية على طريقتها الخاصة ، كما في موضوع حقوق المرأة :” أتسال الآن لماذا لم يكن ثمة نساء كاتبات أو فنانات أو ملحنات ” كتبت فى 12يونيو 1898. ” لأن المرأة وضعت كل عاطفتها و قدرتها و نشاطاتها فى اسرتها التى استهلكتها بالكامل  – خاصة أطفالها لم يتسن لها تطوير قدراتها و تضمير موهبتها وما تزال جنينيــة وعندمــا تنتهــي مــن تعليــم أطفالهــا توقـظ الـروح الفنيـة داخلهـا وبحلـول ذاك الوقـت يكــون الأوان قــد فــات، إنهــا منهكــة تماماً” والمؤكــد أن الأوان فــات صوفيــا، امــرأة مليئــة بالمشـاعر المكثفـة والزوجـة المخلصـة، المـرأة التــي عشــقت الموســيقى والفنــون وعليهــا أن تتعامــل مــع عصابــة مــن المجانيــن. إنهــا تــرى زوجهــا ينســحب بعيــدا عنهــا وتركهــا فــي عزلــة  عنــد الخامســة صباحــاًيــوم 28 أكتوبــر1910 ،  لقــد ســرق تولســتوي مــن مزرعتــه المحببــة، تــاركا زوجــة فــي الثامنــة واألربعيــن مــن عمرهـا وســوف يمــوت فــي محطــة صغيــرة للســكك الحديديــة 80 ميـلا مــن المنــزل، محاطــا بتلاميــذه المقربيــن، رحلــة تولســتوي الدراميــة تنتهـي مـن تلقـاء نفسـها متجاهلـة إلـى حـد كبيـر صوفيـا، إنهـا مرتبكـة جـدا فـي تسـجيل تفاصيـل حياتهـا ولكـن مئـات الصفحـات تشـهد علـى روح امــرأة عظيمــة عاشــت بالقــرب مــن أحــد أكبــر كتــاب العالــم علــى مــر العصــور، إنهــا تتفهــم  جيداً الثمـن الـذي دفعتـه مقابـل هـذا الامتيـاز.

    جاي باريني /عن صحيفة الغاردين

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق