أخبارألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

محنة التغيير

زايد…ناقص

بقلم /جمعة بوكليب

التغيير سنّةُ الحياة. وتغيّرُ الحياة ينعكس طبيعياً على البشر فيتغيرون من حال إلى حال. وعلى العموم، فإن التغيّر، مثل التاريخ، لا يسير في خط مستقيم متصاعد للأمام. بل في خط بمسارمنحني. والذين يقفون ضد التغيير، ويصرّون على بقاء الأمور على ما هي عليه، يطلق عليهم في علم السياسة مصطلح ( تقليديون أو محافظون أو سلفيون أو رجعيون.).والذين يقفون على الضفة المقابلة لهم يطلق عليهم ( تقدميون أو حداثيون). لكن الحياة عموماً، لا تأبه للتقييمات والتصنيفات بأنواعها. وأعترف أنني، في الآونة الأخيرة، أعيش فيما يشبه المحنة، من خلال موقفي من التغيير. فأنا كنت في معظم مراحل حياتي الأولى ممن يقفون على ضفة التغيير، في مختلف المستويات الحياتية. وكنتُ، منذ مرحلة الشباب، قد وصلت إلى قناعة شخصية وعملية، وهي أن الحياة نهرٌ لا يتوقف عن الجريان، وأن مقاومة التطور الحياتي عبثٌ لا طائل منه، ومضيعة للوقت والجهد. لكني لاحظت، في السنوات الأخيرة، أن تلك القناعة القديمة لم تعد ثابتة وراسخة، كما كانت في السابق. وتقبلت ذلك ببساطة، ولم أنزعج أو أصاب بارتباك، كما يتوقع، وهذا ما فاقم في محنتي. وتبيّن لي كذلك ، من خلال التغييرات التي لحقت بالحياة في العقود الثلاثة الأخيرة، أن استمرار التغير بهذه الوتيرة السريعة متزامناً مع تقدمي في سلالم الزمن، وتلاشي قدراتي تدريجياً، يعني أنني ببساطة سأجد نفسي، قريباً، مرمياً على هامش الحياة، وأفقد قدرتي على التلاحم معها. والسبب، هو تلاشي قدراتي ومهاراتي، بمرور الوقت، على مجاراة التطور الهائل والسريع الذي يشهده عالمنا الإنساني، وخاصة في مجال التقنية والعلوم. وفي السنوات الأخيرة، اتضح لي، بما لا يقبل مجالاً للشك، أنني بدأت أحسُّ بالتهميش، فعلياً وواقعياً، يطالني في حياتي اليومية مع أولادي والأجيال التي ينتمون إليها. وبدأت أشعر وكأن جداراً عازلاً يقوم بيني وبينهم، ويزداد علواً. فاللغة التي يتكلمونها ليس لي بها معرفة أو علم. و الهوايات التي يمارسونها غريبة عن عالمي. والمستقبل الذي يطمحون إلى تحقيقه مجرد نفق معتم لي. وبدأت أتمنى حقيقة أن يتوقف سير التطور التقني العلمي، أو أن يبطيء من شدة سرعته، حتى لا يفوتني قطاره، وأحرم من التمتع بما تبقى لي من حياة. ومن غير لف ولا دوران، ومباشرة إلى الهدف، وجدتني أبتعد، كل يوم يمر، عن موقفي المعتاد في ضفة التغيير والتقدم، وأقترب حثيثاً من الضفة التي كنت طوال مراحل عمري السابقة أقف قبالتها. الشيء الوحيد الذي لم يطله تغير في داخلي هو موقفي من الثقافة والأدب. ورؤيتي إلى الفن في تجليات علاقته بالحياة وبالبشر، وفي قدراته على تطوير حياتنا، وذائقتنا الجمالية نحو الأفضل. وربما لهذا السبب، ظللت حريصاً على متابعة ما يكتبه وينشره كتاب شباب من نتاجات ابداعية. وازداد ايماني بقدرة الأجيال المبدعة الجديدة على تطوير حياتنا، جمالياً وفنياً وتشكيلياً، بدرجة أكبر مما حققه السابقون بسبب التغييرات والتطورات والتعقيدات التي تعيشها المجتمعات البشرية على اختلافها، وتزايد هوة التفاوت بينها. المشكلة أن الهامش المتاح للثقافة والأدب والفن رسمياً يزداد ضيقاً وتقلصاً في عالمنا العربي. وضاقت المساحات المخصصه له في وسائل الاعلام، وفي المناهج الدراسية. وصار بمرور الوقت يقترب من أن يكون نشاطا تكميلياً وليس رئيسياً. لأن القوى الحاكمة صاحبة المقاليد والصلاحيات لا توفر له من الميزانيات إلا القليل. وكما هو متوقع، أدى ذلك إلى انصراف الناس وخاصة الشباب عن الانشغال بالأدب والفن، والاهتمام بالثقافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى