منصة الصباح

آه ..درنة

آه ..درنة

محمد الهادي الجزيري

أخلع عنّي قناع الأديب ..أنزع كلّ الأقنعة المعمول بها وأبكي على حالي وحالكم بكاء لا توقّف له ..ولا انقطاع له ..، ومن يسألني ما الذي يبكيك ..؟ تخرج من شفتيّ : درنة

أه درنة ..في الستين من عمري وفي مرضي المتشبث بي ..، أحضر حكم إعدامك الجماعي ..أو إبادة في لمح البصر ..لم تستثني بشرا ولا شجرا ولا حجر، لا أكاد أصدّق ما أرى وما أسمع من قنوات تلفزية وأدوات تواصل كالفيسبوك ..وغيرها ..الكلّ يبكي ويلطم ..كأنّنا في يوم القيامة …،

يا الله رفقا بنا ..، ماذا جنى أطفال درنة وعجائزها وشيوخها ..ماذا اقترف شبانها وصباياها حتى يبتلعهم الوحل والبحر..؟،

اللهم صبّرنا فالأمر جلل..، أرى رجلا ينوح على فقدان خمس وعشرين روحا، أرى شيخا يتبرع بكيس قمح وهو آخر ما عنده، أرى الغرب يضمّد جراح الشرق في مشهد تقشعر منه الأبدان ..،

فلا أجد إلا البكاء ..وتسيل دموعي كما لم تسل أبدا، الحقيقة أجدادنا قالوا وقد صدقوا في ما قالوه: ” خوك خوك لا يغرّوك “، فالدم ينهض للدم ..وقد نهض الدم الليبي للدم الليبي ..كما لا أحد ..، ولا أنفي وقفة الأشقاء والأصدقاء مع الشعب المنكوب..،

ولكني أحلم ..المتحاربون أمس متعانقون اليوم ..، فيا القتيلة المسمّاة درنة : كوني عبرة لمن يعتبر ..، كوني يدا عظيمة فوق أيدي الشعب الليبي ..لكي يندم الندم الأكبر على ما جرى ..ويصلح كلّ شيء: يصلح عطب الروح وشلل الجسد ..، يصلح أخطاء ما كان لها أن تكون ..،

وينهض كمريض من فراشه ..ألهمه الله الشفاء …، فليس درسا مثل درنة وليس عبرة كما محنتها الرهيبة ..، ثمّ اعتنوا بأنفسكم ومرضاكم وجرحاكم ..وشمّروا على السواعد ..، وانسوا ما كان بينكم من أخطاء وحماقات ..،

أنا أبكي الآن ..وأطلب من قويّكم ومن ضعيفكم ومن أقربكم من الله ..أن تتّحدوا لخدمة ليبيا…، فهي مطمع الغرباء ..، وأحبّوا بعضكم كما فزعتم لدرنة ..لعلّها تغفر لكم موتها في غفلة منكم ..، ماذا أقول؟: هذه آخر ما يمكن قوله ..في هذا الظرف …لأعود لقوقعتي وبكائي ..،

الله يرحم موتانا ويصبّرنا على فراقهم ..ويهدي من يترأسون ليبيا ..فالأمر خطير ويستوجب الحكمة والدراية ومجهودات جبّارة للخروج من هذا النفق المظلم ..،

ألم أحلم أوّل أمس ..ألم أر كابوسا فظيعا ..فاستيقظت من النوم ؟ ..، يا إلهي أنا في الستين رأيت ما رأيت ..وكيف تكون أحلامهم وكوابيسهم ..وأقصد أطفال درنة الذين حالفهم الحظّ ونجوا من التهلكة ؟

الأكيد يحتاجون لأطباء نفسيين ..وهم وكبار السنّ ..فالهول شديد ومخيف ومرعب ..، أظنّ أنّني قلت للزميلة والصديقة فتحيّة الجديدي ..واعتذرت لها عن عدم الكتابة عن درنة ..لأنّي عجزت عن ذلك ولم أستطع إلا البكاء وقد راسلتها وكتبت :

” حاولت الكتابة عن درنة ..دون جدوى ..، بي حالة غريبة من البهتة أمام ما أراه من أهوال … الله يكون معكم في هذه الفجيعة الكارثة الكبرى ..والحمد لله على كلّ حال..”

وإنّي أجدّد اعتذاري لكم سادتي القراء ..على كتابتي المترنّحة الدائخة ..، فالألم رهيب ..وكما قلت في الفيسبوك : انتهى الكلام ،……

شاهد أيضاً

والله عيب!

عبد الرزاق الداهش تظهر كومة خلف وشاحها ربما يكون شعرها حتى صار رأسها كجهاز كمبيوتر …