الاستاذ محمد أحمد .. خبير اقتصادي
تمرّ ليبيا بمرحلة اقتصادية دقيقة تميّزت خلال السنوات الماضية بتراكم اختلالات هيكلية في السياسات المالية والنقدية والتجارية، وبفوضى واضحة في أنظمة التوريد والإنفاق العام، في ظل ضعف المحوكمة وتراجع فعالية الأجهزة التنفيذية والرقابية.
في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن أدوات محايدة لضبط السلوك الاقتصادي وحماية المال العام ضرورة وطنية، لا خيارًا سياسيًا. من هنا يبرز دور النائب العام بوصفه أحد آخر خطوط الدفاع المؤسسية القادرة على التدخل حين تتعطل القواعد وتغيب المساءلة.
إن تدخل النيابة العامة في الملفات الاقتصادية لا يمكن قراءته بوصفه توسعًا في النفوذ أو حلولًا محل الحكومة، بل باعتباره استجابة قانونية لوضع استثنائي وصلت فيه الممارسات الاقتصادية إلى درجة تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي. فحين تتعطل آليات الرقابة الإدارية، وتفشل السياسات في ضبط السوق، وتتحول القرارات العامة إلى مساحات رمادية تختلط فيها الصلاحيات بالمسؤوليات، يصبح إنفاذ القانون أداة تصحيح، لا أداة إدارة.
هذا النمط من التدخل ليس حالة ليبية فريدة، بل عرفته دول أخرى واجهت اختلالات عميقة في إدارة الاقتصاد العام. ففي إيطاليا خلال تسعينات القرن الماضي، قادت النيابة العامة ما عُرف بعملية «الأيادي النظيفة» التي كشفت شبكات فساد واسعة في العقود العامة والتمويل السياسي، وأسهمت في إعادة رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، رغم ما رافقها من كلفة سياسية وإدارية. وفي البرازيل، شكّلت عملية «لافا جاتو» نموذجًا لتدخل القضاء في ملفات الطاقة والمشتريات العامة، حيث أدى إنفاذ القانون إلى محاسبة واسعة، لكنه كشف في الوقت ذاته مخاطر تسييس العدالة إذا تجاوزت حدودها الوظيفية.
أما في رومانيا، فقد مثّلت هيئة مكافحة الفساد تجربة أكثر توازنًا، إذ لعبت دورًا حاسمًا في ضبط الإنفاق العام ومكافحة الفساد دون أن تحل محل الوزارات أو تتدخل في رسم السياسات الاقتصادية نفسها. وفي إندونيسيا، ساهمت لجنة مكافحة الفساد في كبح الانحرافات في قطاعات الطاقة والتجارة، وأعادت قدرًا من الانضباط للسوق في مرحلة انتقالية اتسمت بضعف المؤسسات. هذه التجارب، على اختلاف نتائجها، تشترك في حقيقة أساسية مفادها أن تدخل القضاء يصبح مبررًا وفعّالًا حين يكون مكمّلًا للسياسة العامة لا بديلًا عنها.
في الحالة الليبية، يكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة بسبب تعثر محاولات الإصلاح التقليدية، وفشل التدخلات الخارجية، سواء عبر الوصفات الجاهزة أو الضغوط السياسية، في معالجة جذور الخلل. ومع تراجع الرهان على الحلول المستوردة، برز القضاء كأداة داخلية محايدة قادرة على فرض حد أدنى من الانضباط، ولو بصورة مؤقتة، إلى أن تستعيد الدولة قدرتها على إنتاج سياسة اقتصادية متماسكة.
ما يميّز تدخل النائب العام في هذه المرحلة هو تركيزه على السلوك المؤسسي لا على الخيارات الاقتصادية بحد ذاتها. فالمسألة لا تتعلق بالطعن في ضرورة الاستيراد أو الدعم أو الإنفاق، بل بكيفية إدارة هذه الملفات، ومدى التزامها بالقانون، وشفافية الإجراءات، وتحديد المسؤوليات. بهذا المعنى، يصبح التدخل القضائي رسالة واضحة مفادها أن الضرورة لا تبرر الفوضى، وأن الاستثناء لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة دائمة.
ويبرز ملف توريد المحروقات من الخارج بوصفه مثالًا دالًا على هذا الدور. فالإشكال الجوهري في هذا الملف لا يكمن في خيار الاستيراد نفسه، بل في غياب إطار منضبط يحدد شروط التأهيل، وآليات التعاقد، وضوابط التسعير، وإدارة المخاطر المالية واللوجستية. الفوضى التي أحاطت بهذه العمليات فتحت المجال أمام تجاوزات واسعة وأثقلت كلفة التوريد على المالية العامة، ما جعل التدخل القضائي ضرورة لإعادة رسم حدود المشروعية وحماية المال العام.
وينسحب الأمر ذاته على ملفات تهريب العملة عبر الاعتمادات المستندية، حيث يتضح أن الخلل النقدي ليس نتاج عوامل فنية بحتة، بل نتيجة مباشرة لسلوكيات مؤسسية غير منضبطة. حين تتحول أدوات السياسة النقدية إلى قنوات للربح غير المشروع، فإن الثقة في النظام المالي تتآكل، ويصبح تدخل النيابة العامة عامل ردع واستعادة توازن، لا عامل تعطيل.
مع ذلك، فإن نجاح هذا الدور يظل مشروطًا ببقائه ضمن حدوده الطبيعية. فالقضاء لا يدير الاقتصاد ولا يصوغ السياسات، لكنه يضع إطارًا من الانضباط يمنع انزلاقها إلى مسارات عبثية أو إجرامية. التدخل القضائي يكون أكثر فاعلية حين يدفع المؤسسات التنفيذية إلى تصحيح مسارها، ووضع قواعد مكتوبة، وتحمل مسؤولياتها بوضوح، لا حين يحل محلها في اتخاذ القرار.
في المحصلة، يمكن النظر إلى دور النائب العام في المرحلة الراهنة بوصفه مساهمة واقعية في الإنعاش الاقتصادي من زاوية استعادة الثقة والانضباط، لا من زاوية النمو السريع أو الإصلاح الشامل. هو دور وقائي ومؤقت، تفرضه ظروف استثنائية، وقد يشكل شرطًا أوليًا لأي إصلاح اقتصادي جاد في بلد يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ضبط محايد يعيد للاقتصاد حدوده وللدولة اعتبارها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية