أبو القاسم صميدةألرئيسيةالأخيرة

متلازمة‭ ‬طرابلس‭ ..‬

نقطة بيضاء

بقلم / ابولقاسم صميدة

بعض الأماكن تترك أثرا إما سيئا أو حسنا ، فمثلا وهذا من باب البرهان والتبيان فإن زيارة بيت الله العتيق في مكة وزيارة قبر الرسول الأعظم بالمدينة المنورة تتركا أثرا طيبا في نفوس الغالبية من الزوار فيمسى راضيا مستكينا إلا من كان بينه وبين تلك الأماكن المقدسة حجاب ، ومثلا زيارة إحدى العواصم المٌبهرة والفخيمة يترك أثرا من الإعجاب والدهشة ، وكذلك زيارة بعض الأماكن البائسة والمعوزة يترك أثرا مؤلما في نفسية الزائر ، وكل تلك التأثيرات هي نتاج لمتلازمة ما ، وبالقياس مع فارق التشبيه فإن متلازمة طرابلس هي أعراض لأمراض نفسية يٌصاب بها سكان مدينة طرابلس الليبية ، وتتلخص في حالة من الاضطرابات النفسية والقلق وعدم الثقة وفقدان القدرة على انجاز شىء وضياع الوقت وهذا بسبب الزحام الشديد الذي لا حل له على المدى القريب ، والاختناق من كل شيء ، وكثرة سماع الأخبار السيئة والمتناقضة ، وانعدام الأمل وسيادة اليأس ، ومنظر الطوابير غير المنتظمة أمام المصارف التي تشكوا قلة الأوراق النقدية بينما تظهر تلك النقود اللعينة المفقودة في )  براويط وشكاير) يحملها البعض في أطراف المدينة القديمة وحيث ينصب سوق العملة الموازى اركانه بلا خوف ولا وجل ، وحيث تتشكل حلقات فيما يسمى بحلقات سوق العملة فهذه حلقة بورصة كذا ، وتلك حلقة بورصة كذا، وثالثة ورابعة .. وهكذا حتى يخيل لك بأنك خارج نطاق الزمان والمكان وانك في كوكب آخر ، ويؤجج ذلك سماع أصوات قوية مفاجئه بدون اكتراث من السامع كالقصف أو مشاهدة عملية سطو علني على صاحب سيارة بائس تخلت عنه السماء في لحظة رعب لا يعلمها إلا الله ، أو مشاهدة عراك عنيف تستخدم فيه الأسلحة أو مشاهدة عملية خطف وشتائم يتبادلها رواد المقاهي عبر هواتفهم الذكية وتراها وأنت تحتسى القهوة أو تشرب الشيشة بحيادية تامة وكأنك تشاهد مباراة بين فريقين من كولومبيا ، والغريب انه وبعد كل هذا لا يتطلب الأمر إلا لحظات صمت لتعود الحياة لطبيعتها كما كانت ، وبينما لا شيء سوى بحلقة العيون وكثرة العزاءات والذهاب للمقابر وكثرة مشاهدة الخيبات وسماع قصصها فلا جديد يذكر ولا خبرا مختلفا يعطيك القدرة على مواجهة تراكمات كل هذه الأعراض التي تتزاحم داخل النفوس وتتحول إلى ما يشبه الأمراض .. وبتكرار هذه المشاهد والأخبار المحبطة يتحول الأمر إلى مرض حقيقي ، ويصبح الأمر ملازما لك بشكل روتيني ، وهكذا يعانى المصابون بمتلازمة طرابلس من عصبية وخوف وارتياب وانعدام الأمل في آن واحد، وعدم اكتراث لجسامة أي خبر .لقد شعرت للمرة الأولى بتأثير هذه المتلازمة أو المصطلح ذات لحظة عصيبة حين فقدت عقلي وحاولت بفطرية أن أتدخل للحيلولة دون تطور مشاجرة وشتائم بسبب أولوية المرور بين شابين إلى مالا يحمد عقباه ، ولكن فجأة جرى إشهار الأسلحة دون أن يطلق احدهما الرصاص فقد تسمرت في مكاني ولم اعرف مالذي يجب أن افعله ، وبعد ذهابهما بقيت دون أن افهم لماذا يحدث هذا الأمر ؟ لماذا تتطور الأمور إلى الأسوأ بسرعة البرق بلا وازع أخلاقي أو ديني ؟ لماذا فقد الناس معنى الحياة ؟ لقد أصابني العجز عن الحركة والفهم ، وداهمني الامتلاء بالحزن دون القدرة على تشخيص الأمر ، ولكنها متلازمة طرابلس والتي احد عناوينها وخلاصتها فقد القدرة على الفهم والتأثر بما يحدث وعدم الاكتراث بالآخر ، وعدم أهمية الوقت ، لذا نسأل الله السلامة والرشد وان يصلح أحوالنا ويحفظ بلدنا.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق