مصطفى الزاوي لـ«الصباح»: الفيلم بداية سلسلة كرتونية من ستة أجزاء، تقترب من عالم الطفل وتعالج السلوكيات الخاطئة
الصباح / خاص
لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة لإنتاج صور متحركة أو بناء عوالم افتراضية، بل باتت تفتح أبوابا جديدة أمام الحكاية المحلية، وتمنح صناع المحتوى إمكانات مختلفة لتقديم رسائلهم. ومن هذا الباب يأتي الفيلم الكرتوني الليبي الجديد «مبروكة وميامة»، بإخراج مصطفى الزاوي، ليقدم تجربة تجمع بين الرسالة التربوية والمعرفة، مستعينا بتقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء عالمه البصري، دون أن يتخلى عن مرجعيته الليبية.

الفيلم، الذي جاءت فكرته من وائل عوض، لا يكتفي بمعالجة سلوكيات اجتماعية مثل الغرور والطمع والغضب، بل يذهب إلى مساحة تعليمية تعرّف الأطفال بعالم الخيول، والفروق بين أنواعها ورياضاتها، من القفز والجمال إلى السباقات.
وفي هذا اللقاء مع مخرج الفيلم مصطفى الزاوي، نتوقف عند اختياراته الفنية، وكيف استعان بالذكاء الاصطناعي، وما الذي أراد أن يقوله للأطفال من خلال شخصيتي «مبروكة وميامة».
الحكاية تبدأ من الطفل.. لماذا الكرتون؟
يقول الزاوي إن اختيار القالب الكرتوني جاء بصورة مشتركة بينه وبين المشرف العام على العمل وائل عوض، بعد أن وجدا أن الرسالة التي يحملها الفيلم تحتاج إلى أن تصل إلى جمهور الأطفال بصورة أساسية، وهو جمهور لديه انجذاب وتقبل كبيران للأعمال الكرتونية.
ومن هنا لم يكن الشكل الكرتوني مجرد اختيار جمالي، بل وسيلة للوصول إلى المتلقي الصغير، وتقديم المضامين التربوية في صيغة قريبة من عالمه، وقادرة على الجمع بين المتعة والفائدة.
بنغازي ليست خلفية عابرة
من التفاصيل اللافتة في الفيلم أن عالمه البصري لم يُبنَ من فضاء متخيل بالكامل، بل استند إلى أماكن وملامح حقيقية من البيئة المحلية.
ويوضح الزاوي أن الفيلم يقوم على عالمين؛ الأول هو عالم الإسطبل، الذي بُني بالكامل بالاستناد إلى إسطبلات أكارم في بنغازي، من شكل الحظائر والممرات وأماكن المبيت إلى الملابس والتفاصيل المحيطة بها.
أما العالم الثاني، فهو الفضاء الخارجي المحيط بالشخصيات، وقد استلهم ملامحه من منطقة المقزحة ببنغازي، بما فيها أنواع الأشجار وشكل التربة والأجواء العامة.
وهكذا لم تكن الهوية الليبية تفصيلا يضاف إلى العمل بعد اكتماله، بل مرجعا بصريا حاضرا في تكوينه، يسعى إلى جعل الطفل يرى في الحكاية شيئا من المكان الذي يعرفه وينتمي إليه.
الذكاء الاصطناعي.. أداة لا مخرج آخر
وعن طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي، يضع الزاوي حدودا واضحة لدوره في التجربة، قائلا إن التقنية كانت أداة مساعدة مكّنت فريق العمل من الوصول إلى مستوى الإنتاج والجودة المطلوبين، لكنها لم تتجاوز كونها أداة.
ويشير إلى أن التعامل مع أدوات التوليد لم يكن خاليا من التحديات؛ إذ واجه الفريق أخطاء في توليد الصور وتحريكها، فضلا عن اختلاف طريقة استيعاب هذه الأدوات للأوامر، الأمر الذي استدعى محاولات متكررة للوصول إلى النتائج المطلوبة.
وكان تثبيت الهوية البصرية والليبية للفيلم أحد أبرز التحديات، إلى جانب عامل التكلفة، وضغط الوقت المرتبط بالالتزام بموعد العرض.
سبع نسخ حتى تستقر الحكاية
لم يكن الوصول إلى النسخة التي ظهرت للجمهور مسارا سريعا، فقد خضع النص للكتابة والتنقيح ضمن ورشة عمل ضمت فريقا من المحترفين، ومر بمراجعات متكررة بلغت ست مرات، قبل اعتماد النسخة السابعة للتنفيذ.
ويكشف الزاوي أن الالتزام بموعد العرض فرض على الفريق ساعات عمل طويلة، وصلت أحيانا إلى 14 أو 15 ساعة يوميا، في ظل ما تتطلبه أدوات التوليد من محاولات متواصلة وتصحيحات، سواء في إنتاج الصور أو تحريك الشخصيات، فضلا عن الحرص على ثبات الهوية البصرية للعمل.
وهي تفاصيل تكشف أن توظيف الذكاء الاصطناعي، على الرغم مما يوفره من إمكانات، لا يلغي الجهد الإبداعي والبشري، ولا يجعل عملية الإنتاج تلقائية أو خالية من التعقيدات.
أصوات ليبية تمنح الشخصيات روحها
لم تتوقف عناية فريق الفيلم عند المكان والشكل البصري، بل امتدت إلى الأصوات التي تحمل الشخصيات وتمنحها حضورها الفني. ويشير الزاوي إلى أن مشاركة الممثلين الليبيين بأصواتهم وحسهم الفني كانت من التفاصيل التي حرص الفريق على حضورها، لما تضيفه من قيمة إلى التجربة.
ويشارك في الأداء الصوتي عدد من الأسماء الفنية، من بينهم محمد الأمين، ومهيبة نجيب، وكريمان جبر، وجمال محمد نويصري، وعبير الترهوني، وعبد الباسط الحداد، ويوسف الجروشي، ومحمد الفيتوري، إلى جانب الفنان الشاب أنس بن عامر.
وتبدو هذه المشاركة جزءا من رهان الفيلم على أن تكون هويته ليبية في تفاصيلها كافة، لا في المشاهد والأمكنة وحدها، وإنما في الأصوات أيضا؛ فالشخصية الكرتونية، مهما بلغت دقة تشكيلها وتحريكها، تحتاج إلى صوت يمنحها ملامحها الإنسانية ويقربها من المتلقي.
من الغرور إلى معرفة عالم الخيول
يلعب الفيلم، بحسب مخرجه، على خطين متكاملين؛ أخلاقي ومعرفي تعليمي. فعلى المستوى الأخلاقي يناقش سلوك الغرور، ضمن توجه أوسع لمعالجة السلوكيات الخاطئة، بينما يقدم على المستوى التعليمي معلومات عن الخيول، والفروق بينها وبين الرياضات المرتبطة بها، ومنها قفز الحواجز والجمال والسباقات.
وهذا الجمع بين المسارين يمنح الحكاية أكثر من وظيفة؛ فهي لا تكتفي بتوجيه الطفل نحو سلوك أفضل، وإنما تفتح أمامه نافذة للتعرف إلى عالم جديد، وتوسيع معارفه من خلال شخصيات وحكايات قريبة من اهتماماته.
«الدنيا علمتني».. حكاية تمتد إلى أغنية
ولأن العمل الكرتوني لا يكتمل بعالم الصورة وحده، تأتي أغنية الفيلم «الدنيا علمتني» لتكون جزءا من تجربته السمعية. كتب كلماتها مصطفى الزاوي وحمد الحاسي، فيما تولى الحاسي التلحين والغناء.
وتلتقي الأغنية مع المسار العام للفيلم في تقديم الحكاية عبر أكثر من وسيط فني، بما يعزز حضورها لدى جمهور الأطفال.
ستة أجزاء.. والحكاية لا تتوقف
لا ينظر فريق العمل إلى «مبروكة وميامة» بوصفه تجربة منفردة، بل بداية لمشروع قابل للاستمرار والتوسع. ويؤكد الزاوي أن هناك توجها لإنجاز سلسلة من الأعمال تصل إلى ستة أجزاء، تتناول سلوكيات خاطئة مختلفة، من بينها الغضب والطمع وغيرها.
وهو ما يضع الفيلم في سياق محاولة لتأسيس محتوى كرتوني ليبي متواصل، لا يكتفي باستثمار التقنيات الحديثة في إنتاج الصورة، وإنما يسعى إلى توظيفها في حكايات تنطلق من البيئة المحلية، وتخاطب الطفل بلغته البصرية، وتقدم له المعرفة والقيم في قالب يجمع بين الترفيه والتعلم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية