ألرئيسيةالثقافية

ما قاله كلوفِس عن زعم رومانسية التجارة

ساكي (1)

 

ترجمة/ عمر أبوالقاسم الككلي

قال كلوفس:

«صار تقليعة، هذه الأيام، الحديث عن رومانسية التجارة. لا وجود لمثل هذا الشيء. فالرومانسية بتمامها على الجانب الآخر، مع الممتهن المتبطل، المهمل، الفار، الفرد الذي لم يستطع الاهتمام بالأرقام وحفظ السجلات فترك التجارة لتهتم بنفسها. أعترف أن محل البقالة واحد من أكثر الأشياء رومانسية وإثارة سبق لي وأن دخلتها، إلا أن الرومانسية والإثارة هنا تتركز حول محتويات محل البقالة وليس حول البقال. فالأترُج والتوابل واللوز والتمر، الأنشوقة المبرملة والجبنة الهولندية، حوافظ الكافيار وصناديق الشاي، تأخذ العقل بعيدا إلى مدن ساحل ليفانتاين(2) والشواطيء الاستوائية، إلى أرصفة العالم القديم وأرصفة موانيء البلدان الواطئة(3)، إلى أستراشان(4) المغبرة وكاثى(5) البعيدة، إذا كان بداخل ممتهن البقالة أي قدر من الرومانسية فليس ذلك بسبب التعليم التجاري الذي يتحصل عليه من خلف مسند البقال، بل بسبب الدعوة الشاخصة للحلم والتطواف، وللبقاء فقيرا. وأنا طفل كانت أماكن من مثل جنوب أمريكا وآسيا الصغرى قد جلبت بكد تحت أنفي، أسماء أنهارها الرئيسية وارتفاعات قمم جبالها الكبرى التصقت بذاكرتي وكنت رفضت بحرارة اعتبارها أجزاء من العالم الذي كنت أعيش فيه، فقط حين زرت محل بقالة واسعا حسن التنظيم أدركت أنها موجودة فعلا. معارض الرومانسية والافتتان تلك لم تورث لنا من قبل التاجر، فهو مجرد حارس ممل يتكلم بذرابة عن زيتون أسبانيا وأرز رانغون، أسبانيا التي، أبدا، لم يعرفها ولم يرغب في معرفتها، رانغون التي، أبدا، لم يتخيلها ولا يستطيع تخيلها، الطَّوَّاف غير المسجل، المسافر البحري خلي البال، المطرود عديم الهدف، الذي افتتح طرقا تجارية، اشتق أسواقا جديدة، جلب إلى الوطن عينات أو شحنات من مأكولات جديدة أو بهارات مجهولة. هؤلاء هم الذين جلبوا الوضاءة والرومانسية إلى عتبة الحياة التجارية، إلا أنها سرعان ما قلصت إلى جنيهات وشلنات وبنسات، وضعت في إخطارات أسعار، قيدت أكثر من مرة، سعرت، شطبت، وهلم جرا، لعل معظم هذه المصطلحات خاطئة، إلا أن قليلا من عدم الدقة يوفر أحيانا أطنانا من الشرح.

على الجانب الآخر من الحسبة، يوجد ممتهن الصناعة الذي تحول إلى تاجر، تزوج مبكرا وعمل متأخرا، ويعيش مع الآلاف والآلاف أمثاله في دارات صغيرة خارج المدن الكبيرة. دفن الآلاف من أمثاله في كنسل غرين ومقابر كبيرة أخرى، أية رومانسية كانت داخله دفنت قبل الآوان في الدكان والمشغل والمكتب. حين أشعر بأقل قدر من الانجذاب لأن أكون شبيها بالتاجر أو منظَّما أو حتى مجدا باعتدال، أذهب إلى كنسل غرين وأنظر إلى قبور أولئك الذين ماتوا أثناء العمل.

(1) Saki الإسم الأدبي للقصاص البريطاني Hector Hugh Munro (1870-1916) الذي يعده الإنغليز في مصاف تشيخوف وأوهنري. ولد في أكياب ببورما (ميانمار الحالية) لأب اسكتلوندي كان جنرالا في الشرطة. نقل إلى بريطانيا وعمره سنتان على إثر موت أمه، ثم استعاده أبوه حين تقاعد. في الثالثة والعشرين من عمره تحصل على وظيفة شرطي في بورما، لكن المهنة لم تكن تتلاءم وحالته الصحية فلم يقض بها سوى سنة وعاد إلى بريطانيا. انخرط في العمل الصحفي واشتغل عدة سنوات مراسلا الـ Morning Post في روسيا والبلقان وباريس. جند في الجيش عند اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 ومات في ميدان القتال. يثار غموض حول اختياره اسم ساكي، إلا أن أخته أكدت أنه مأخوذ من كلمة»الساقي» الواردة في رباعيات عمر الخيام. وهذه القصة ماخوذة من مجموعته «تاريخ كلوفس».

(2) Levantine ، نسبة إلى Levant وهو الإسم القديم للرقعة الجغرافية التي تشغلها الآن سوريا وفلسطين ولبنان.

(3)  Low Countriesاسم يطلق على المنطقة المنخفضة من غرب أوروبا التي تضم بلجيكا ولوكسمبرغ وهولندا.

(4) Astrachan أو Astrakhan مدينة غرب جنوب روسيا على دلتا نهر الفولغا .

(5) إسم كان يطلق على الصين قديما.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق