أخبارألرئيسيةالأوليعربي ودولي

ما أهمية تشكيل اللجنة الدستورية السورية؟

 

الصباح-وكالات

بعد “توافق” بين الضامنين الثلاثة، روسيا وإيران وتركيا، في القمة الدورية التي عقدها رؤساء الدول الثلاث في أنقرة، منتصف الشهر الماضي، تم التركيز على توافق القمة على تشكيل اللجنة الدستورية السورية، المكلفة بوضع دستور جديد للدولة السورية، تبعت ذلك زيارة خاطفة للمبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، الذي التقى وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، وتمّ الإعلان بعد اللقاء، من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، عن تشكيل اللجنة الدستورية، والتي يفترض أن تباشر اجتماعاتها برعاية أممية في جنيف، بعد أن تمّ الاتفاق على عناوين موضوعات البحث وآلية التصويت وتشكيلها، وحصص الأطراف السورية “الحكومة والمعارضة” فيها.

فيما تتسارع التطورات على الأرض، في شمال غرب وشمال شرق سوريا، في إدلب ومناطق شرق الفرات، لحسم الأمور باتجاهات تصبّ في تحقيق هدف إعادة السيادة السورية على كامل أراضيها، بوصفها المدخل الرئيس لتمهيد الطريق أمام اللجنة الدستورية، التي تم الإعلان عن تشكيلها من قبل الأطراف الضامنة.

سواء بالنسبة إلى قمة أنقرة، أو بالنسبة إلى الأمم المتحدة؛ فقد تمّ التعامل مع الإعلان عن “مجرد” تشكيل اللجنة باعتباره إنجازاً تمّ تحقيقه، في سياقات الحلّ السياسي في سوريا، وهو الشعار الذي ترفعه كافة الأطراف المعنية والفاعلة بالقضية السورية، غير أنّ الحقائق على الأرض تؤكد أنّ تشكيل لجنة دستورية يشبه، إلى حدّ بعيد، مقولة “وضع العربة أمام الحصان”، وهي مقاربة تمثل صورة منسوخة عن مقاربات إعادة الإعمار في سوريا، والتي يتواصل الترويج لها، وفق مرجعيات تعكس تمسك الدولة السورية بمقاربات ما قبل أزمة عام 2011، وبما يوحي أنّ تملّك قرار منح عقود إعادة لهذا الطرف أو ذاك، في ظلّ تنافس يصل درجة الصراع بين الحلفَيْن الأبرز، روسيا وإيران، على تلك العقود، واشتراطات المانحين الأوروبيين للدخول في عملية الإعمار.

إنّ تشكيل لجنة دستورية ليس بالموضوع الجديد، فهو أحد العناوين المطروحة منذ بداية الأزمة السورية، عام 2011، لكن تشكيل اللجنة بهذا التوقيت يطرح تساؤلات كثيرة، على خلفية تشكيلها، في مقدمتها المدة الزمنية الممنوحة لها، وهل ستنجز الدستور الموعود قبل إنجاز تحرير كامل التراب السوري” خاصة أنّ مناطق شاسعة من سوريا خارج سيطرة الحكومة السورية، في إدلب وأرياف حلب وحماه، ومناطق شرق الفرات الواسعة؟ وتساؤلات أخرى متعلقة بالدستور الجديد، وفيما إذا كانت مشكلة السوريين مع إنجاز دستور جديد مختلف؟

وفق كثير من الخبراء؛ فإنّ سوريا تحتاج إلى ما هو أكثر من دستور جديد؛ إذ إنّ الدستور الحالي فيه من النصوص ما يكفي لضمان الحريات، وطبيعة الحكم، وينصّ صراحة على ضمان الدولة الحقّ في التعبير بحرية، والحقّ بالتعليم وتوفير الخدمات الصحية.

اللجنة الدستورية ستنجح في إخراج دستور جديد، سيخضع لتجاذبات تعكس مطالب “مصالح” الأطراف الفاعلة بالقضية السورية، وتبرز هنا قوة الفاعل الروسي، الذي سبق أن طرح دستوراً مقترحاً لسوريا قبل أعوام، وجوهره الإدارة الذاتية، وخفض صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الحكومة، التي يكلف بتشكيلها بعد انتخابات عامة، يكلف فيها مرشح الكتلة الفائزة بأعلى الأصوات بتشكيل الوزارة، وفيما إذا كانت روسيا ستواصل التمسك بمقترحها، وستدفع مندوبي الحكومة السورية لحمل مقترحاتها، والمرجَّح أن يكون لها القول الفصل في اللجنة وتوصياتها، ثم ما هو حجم ودور التأثير الإيراني، والتأثير التركي الذي يتمثل من خلال المعارضة السورية، خاصة الإسلامية منها، والمؤكّد أنّ دورها سيكون محدوداً، ارتباطاً باختلاف مرجعياتها، وضعفها، خاصة خلال الأعوام الأخيرة.

إنّ غياب المشاركة الأوروبية والأمريكية “المباشرة” عن اللجنة الدستورية، يشكّل أحد أبرز أسباب ضعفها، ويطرح تساؤلات حول التعديلات، أو الصيغة الدستورية الجديدة، وفيما إذا كانت دساتير الدول الضامنة، إيران وتركيا وروسيا، تشكل نماذج تحتذى لصياغة دستور سوري جديد، قياساً بمستوى الحريات والحقوق فيها، إضافة إلى احتمالات الجدية بإعادة إنتاج الصراع بين الدول الضامنة، ارتباطاً باختلاف أجنداتها ورؤاها الخاصة بمستقبل الدولة السورية، فروسيا تبحث عن موضع قدم دائم على شواطئ المتوسط، فيما جوهر الإستراتيجية التركية يقوم على الحيلولة دون ظهور كيانية كردية؛ لأسباب مرتبطة بالأمن القومي التركي، في الوقت الذي تتطلع فيه إيران لضمان طريق طهران، بغداد، دمشق، بيروت.

المؤكّد أنّ سوريا لا تحتاج إلى دستور جديد، وربما تحتاج إلى تعديلات في الدستور، لكنّ سوريا تحتاج إلى توافقات تضمن حرية وكرامة السوريين، كلّ السوريين، تحتاج إلى دستور تتمّ ترجمته على الأرض، فرغم ما يتضمنه الدستور الحالي من مواد تكفل الحريات واستقلال القضاء، وحقّ التعليم والرعاية الصحية والتعليم، إلا أنّ السوريين لم يثوروا لأسباب اقتصادية، لقد ثاروا على الاختفاء القسري، والاعتقال بلا محاكمات، ثاروا على الفساد والاستبداد، ثاروا على حكم الحزب الواحد، والقبضة الأمنية المطلقة للأجهزة الأمنية المتعددة، وثاروا على انتخابات واستفتاءات نتائجها معروفة مسبقاً، قبل إجرائها، ثاروا على مجلس شعب عدّل الدستور في أقصر جلسة لمجلس شعب في كافة الدول، لضمان نقل السلطة لابن الرئيس، في نظام سياسيّ لم تعرفه مدارس الحكم “الجملوكية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى