ألرئيسيةالأوليالثقافية

مأساة جون سيمون

ترجمة : عبدالسلام الغرياني

لمــع نجمــه مــن خــلال نقــده الــلاذع، ممــا جلــب لــه النقــد العنيــف غــادر مســرح الحيــاة، الناقــد المســرحي المزعــج جــون ســيمون عــن عمــر ناهــز 94 ســنة، فــي24 نوفمبــر  2019 ، لقــد تبــوأ أعلــى منصــب فــي مجلــة نيويــورك ناقــدا يخشــاه الجميــع مــن ســنة 1968 إلى 2005 دون انقطــاع وكــون طــوال هــذه الأعوام عــدوات أكثــر مــن الصداقــات.

كيــف ذلــك؟

توفــي جــون ســيمون ، الــذي يجــب أن يكــون موتــه راحــة لــه بقــدر الارتيــاح نفســه عنــد العديــد مــن الفنّانيــن الذيــن وقعــوا تحــت بطشــه دون مجاملــة، وكذلــك عنــد الذيــن نجــوا مــن قلمــه. حتــى وهــو طاعــن فــي الســن لــم يثنــه حبــه للفنــون و المســرح مــن أن يواصــل نقــده دون هــوادة، انــه أشــبه بــدون كيخوتــه لا يلتفــت إلى الــوراء فــي حربــه المثقلــة بالغمــوض، و بحثــا عــن الــكأس التــي يتعــذر الوصــول إليها، لــم يقتصــر علــى المســرح ، لكنــه اســتعرض الأفــلام والكتــب والموســيقى بانتظــام.

لقــد كان يبحــث فــي كل منتــج إبداعي باحثــا عــن الإخفاقات أو العيــوب فيهــا، إنــه ذلــك المثقــف واســع المعرفــة لــه قــدرة هائلــة فــي تقييــم و تقديــر أي عمــل يخــرج إلى الجمهــور، وهــو فــي حاجــة ماســة كل مــرة إلى عمــل يضعــه تحــت مشــرحه.

جميــع  النقــاد  لديهــم  جانــب  ســلبي فــي رؤيتهــم ، ولكــن بالنســبة لمعظمنــا هــم مجــرد جانــب مــن جوانــب الحيــاة للمحافظــة  علــى التــوازن مــن خــال تشــريح العمــل الإبداعي و خلــق رؤيــة و ذائقــة عنــد الجمهــور فــي النهايــة كمــا أننــا نعتــز بهــم، تصبــح الســلبية المفرطــة نوعــا مــن التشــنجات  غيــر  الإرادية،  وهــو  ســلوك معــروف لــدى القــراء والكتّــاب علــى حــد ســواء، ولكــن مــن الواضــح أنــه ليــس الســبب الرئيســي للكتابــة بهــذه الحــدة، مــع جــون ســيمون كانــت الســلبية هــي الرؤيــة، حتــى تســاءل العديــد مــن القــراء و الفنانيــن عمــا إذا كان فعــلا مهتمــا بالمســرح، أو هــي حالــة مزاجيــة كمــن يتجــرع الزجــاج.

جلــب وحــش فرانكشــتاين هــذا لشــخصية مهمــة مثــل (جــون) الشــهرة والســخرية. بعــد أن شــعر بالارتيــاح للشــهرة ، ســرعان مــا أدرك أن الســخرية مرتبطــة بــه فــي تعايــش مباشــر وبــدأ يــؤدي دورا فــي المــزج بيــن الشــهرة والســخرية إلى درجــة  أصبــح مــن الصعــب عليــه أن يعتــرف بأنــه كان يحــب فعــلا  شــيء مــا، يتذكــر أغلــب المتابعيــن لــه، فــي نقــده احــدى مســرحيات  شكســبير التــي أدى الراحــل (أندريــه إرنــوت) دورا بهــا ، كان (جــون) يصــرخ وســط زمــلاء – كانــت عادتــه فــي التكلــم بصــوت عــالٍ ســيئة الصيــت –  عــن افتقــار (إرنــوت)  الموهبــة. عندمــا هــدئ مــن نوبتــه ذكــره بعــض الزمــلاء كيــف أنــه أعجــب بــأداء (ارنــوت) العــام الــذي ســبق فــي عمــل مســرحي ســابق وكيــف وصفــه بالرائــع. لقــد اشــتعل حــذره حينهــا :»لقــد كان رائعــا» قــال، لكنــه ســرعان مــا عــاد للأداء الســيئ لـــ (ارنــوت) فــي المســرحية الشكســبيرية التــي يتابعهــا.

هــذه الأحداث ، و مثلهــا الكثيــر تؤكــد أن (جــون ســيمون) هــو ناقــد لــه شــغف حقيقــي و عميــق بالمســرح، لكنــه حاصــر نفســه بهــذه الطريقــة العدائيــة بشــكل أساسي للتعبيــر  عــن  وجهــة  نظــره،  لــم  يحــاول العديــد مــن النقــاد و الفنانيــن أن يدخلــوا معــه فــي مبــارزة نقديــة أو فنيــة و بقــى هــو علــى مســافة واحــدة مــن الجميــع، لكــن مــن المحــزن أنــه كــرس حياتــه فــي طريــق جعلــت منــه غيــر ســعيد بشــكل متزايــد، (جــون) رجــل أنيــق، و واضــح، و واســع المعرفــة، يتقــن عــدة لغــات، لــم تســعفه فــي شــيء غيــر ملاحظــات وكتابــات غيــر لطيفــة و ســخرية لاذعــة مــن أداء شــخص مــا و انتقاصــا مــن جهــده وعرقــه ، يحتفــظ النقــاد ببعــض التعابيــر و الــروى عــن الأعمال الإبداعية، و يدلــوا بهــا فــي حينهــا، متجنبيــن التصريــح بهــا فــي مواقــف لا تخدمهــم، لكــن (جــون) عــاش بهــا.

إنــه لأمــر محــزن قــول هــذه الانطباعــات ، لكننــا نشــك فــي أنــه كتــب أي شــيء مــن شــأنه أن يجعــل القــارئ المبتــدئ يشــعر أن المســرح (أو الفيلــم ، أو الأدب ، أو الموســيقى) كان فنــا يســتحق المتابعــة ، أو يســتحق الاهتمــام ، لاعتبــارات القيــم الحضاريــة للعمــل الابداعــي. نشــر (جــون) العديــد مــن الكتــب التــي تظــم مراجعاتــه ، لكننــا لا نذكــر أنهــا تقــدم لنــا أي فكــرة عــن ســبب اهتمامنــا بعمــل معيــن ، أو عــن الفــن ككل. لذلــك ربمــا تجاهلهــا الكثيــر.

لا يســع المــرء إلا أن يعتــرف بهــذا الجانب مــن النقــد ، الــذي نجــده غيــر موجــود إلا في  كتابــات (جــون)، وهــو الجانــب الــذي يصعــب تحقيقــه، ومعظمنــا يتعثــر ويبــدو غبيــاً عندمــا يقــف علــى صدقــه. لكــن بالنســبة لشــخص يتمتــع بنباهــة (جــون) العقليــة ، فقــد بقــي المنــوال علــى مــا هــو عليــه عنــد آخريــن ، الذيــن انشــغلوا بنقــد أنــف هــذه الممثلــة أو ثديهــا ، أو اقتــراح أن الممثليــن الســود يجــب أن يلعبــوا شكســبير فقــط فــي واجهــة بيضــاء حتــى لا يفســدوا الوهــم التاريخــي ( وهــذا عندمــا كانــت المســرحية قيــد  المراجعــة  «حلــم  ليلــة  منتصــف الصيــف»). الإشارة هنــا إلى المعركــة التــي كانــت أكبــر مــن قــدرات (جــون) الفطريــة فــي تحيـزه للفــن الحقيقــي ومــدى تطابقــه مــع الواقــع فــي محــك الحيــاة،  لقــد عــاش فــي مجتمــع يعــظ بقــوة القيــم الخاطئــة. ، وهــو رجــل متعلــم بشــكل رائــع ولــه عقليــة متفوقــة يمكــن محاكاتهــا.

هــذه مأســاة. إنهــا ليســت مجــرد قصــة كاتــب موهــوب بقلــم مســموم وســيط ســيء.

لقــد دون النقــد العديــد مــن هــذه القصــص فــي القــرون الثلاثــة الماضيــة. لكــن هــذه قصــة رجــل ســمح لنفســه ألا يهتــم بمــا يحبــه بقــدر أقــل مــن الأخطــاء التــي يمكــن أن يجدهــا ، وبالتالــي جالــت فــي يــد مجتمــع فضّــل أن يكــون مســليا مــن قبــل الباحثيــن عــن الخطــأ للممارســة المتحضــرة المتمثلــة فــي رعايــة العالــم والبشــر الآخريــن. هــذه ليســت قصــة ســعيدة ، وهــي واحــدة مــن تلــك التــي تركهــا عالــم (جــون ســيمون) وراءه، مــن الأدلــة المتزايــدة كل يــوم. بــدلاً مــن استخلاص ذاكرتــه فــي مواقــف مقلقــة ، فلنفســر حياتــه كتحذيــر لمــدى عــدم حكمــة أذكــى رجــل.

عن مجلة : AMERICAN THEATRE

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق