منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

ليبيا والأمراض الحيوانية المنشأ

في السادس من يوليو من كل عام يطل علينا اليوم العالمي للأمراض الحيوانية المنشأ ليذكرنا بحقيقة صادمة وهي أن أكثر من 60% من الأمراض التي تصيب البشر مصدرها الحيوان ونحو 75% من الأمراض المعدية الناشئة جاءت من هناك من حيث لا ننتبه أو لا نريد أن ننتبه.

في ليبيا لا يبدو هذا الحديث نظريًا أو بعيدًا فهو واقع يتشكل يوميًا في تفاصيل الحياة.

من المزارع إلى الأسواق ومن ضواحي المدن إلى عمق الصحراء، تتقاطع صحة الإنسان مع صحة الحيوان في مشهد معقد، تغيب عنه في كثير من الأحيان الرقابة الفاعلة، ويُترك فيه المواطن أمام مخاطر لا يراها بالعين المجردة، لكنها تتسلل إلى غذائه وصحته وحياته.

الأمر لا يتعلق فقط بفيروس عابر أو عدوى مؤقتة إنما بنمط حياة كامل اختل فيه التوازن. فحين تتراجع صحة الحيوان وتتدهور البيئة يصبح الإنسان الحلقة الأضعف في سلسلة معقدة من التفاعلات.

من الأسواق المفتوحة التي تُباع فيها الحيوانات دون تنظيم كافي، إلى سلاسل إمداد غذائي تفتقر إلى الرقابة الصارمة، إلى ممارسات تربية تقليدية لم تُواكب التطور العلمي، تتشكل بيئة خصبة لانتقال الأمراض وتفشيها.

وتزداد الصورة تعقيدًا في ظل التحديات التي تعيشها ليبيا حيث تتداخل آثار الانقسام المؤسسي مع ضعف البنية التحتية الصحية والبيطرية، ونقص الكوادر والتجهيزات، وتراجع برامج المتابعة والتحصين.

كما أن التغيرات المناخية، وحركة التنقل بين المناطق، والتوسع العمراني غير المنظم، كلها عوامل تسهم في خلق بيئات مواتية لظهور الأمراض وانتقالها.

لكن المفارقة المؤلمة أن معظم هذه الأمراض يمكن الوقاية منها.

والوقاية ليست حلمًا بعيدًا إنها خيار واقعي إذا ما أُحسن التعامل معه. العناية بصحة الحيوانات ودعم الأطباء البيطريين وتمكينهم، والالتزام ببرامج التطعيم، وتنظيم الأسواق، وتشديد الرقابة على اللحوم ومنتجات الألبان، ورفع مستوى الوعي المجتمعي كلها خطوات عملية قادرة على إحداث فرق حقيقي.

وهنا يبرز مفهوم الصحة الواحدة كخيار وطني لا يحتمل التأجيل. هذا المفهوم لا يرى الإنسان بمعزل عن الحيوان أو البيئة إنما يعتبرهم منظومة واحدة مترابطة.

أي خلل في أحدها ينعكس مباشرة على الآخر.

وفي الحالة الليبية فإن التحدي الأكبر لا يكمن في غياب المعرفة إنما في غياب التكامل، حيث تعمل القطاعات الصحية والبيطرية والبيئية في مسارات متوازية، بدل أن تتقاطع في رؤية واحدة.

إن ليبيا اليوم بحاجة إلى إعادة بناء هذا التكامل، ليس عبر تعدد المؤسسات وتضخم الهياكل، ولكن من خلال توحيد الرؤية وتعزيز التنسيق وبناء نظام صحي متماسك يضع الوقاية في صلب أولوياته.

فالتجربة أثبتت أن التشتت المؤسسي لا يؤدي إلا إلى إهدار الموارد وإضعاف القدرة على الاستجابة. وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا تمتلك ليبيا فرصة حقيقية للقفز نحو نماذج حديثة في المراقبة الصحية.

يمكن للأنظمة الرقمية أن تربط بين بيانات الصحة البشرية والبيطرية، وأن تتيح الكشف المبكر عن بؤر الأمراض، كما يمكن لتطبيقات الهاتف المحمول أن تمكن المربين والمواطنين من الإبلاغ السريع عن الحالات، خاصة في المناطق النائية.

كما أن الاستثمار في المختبرات، والتعليم الطبي والبيطري، وبناء قواعد بيانات وطنية، يمثل حجر الأساس لأي تحول حقيقي. غير أن التقنية وحدها لا تكفي.

فالمعركة الحقيقية تبدأ من السلوك اليومي ومن طريقة تعاملنا مع الحيوانات، ومن مصادر غذائنا، ومن وعينا بأبسط قواعد النظافة والوقاية.

والصحة ليست مسؤولية جهة واحدة انها مسؤولية مجتمع بأكمله. إن اليوم العالمي للأمراض الحيوانية المنشأ ليس مجرد مناسبة عابرة في ليبيا يجب أن يكون نقطة تحول.

هو دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالحياة، ولتبني نموذج جديد قائم على التوازن والاحترام والمعرفة.

فإذا أردنا مستقبلًا صحيًا آمنًا، فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ المشكلة، من الحيوان ومن البيئة، ومن إدراكنا العميق بأن صحة الإنسان في ليبيا لا يمكن أن تتحقق دون صحة الحيوان وسلامة البيئة.

وقد يكون السؤال الأهم ليس كيف نعالج الأمراض إنما كيف نمنعها من الظهور أصلًا. ومن هنا يبدأ الطريق الحقيقي نحو صحة ليبية أكثر أمانًا واستدامة.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة يلقي كلمة خلال فعاليات الحوارية الوطنية للإسكان والتمويل العقاري بحضور وسائل الإعلام

الدبيبة: شراكة بين الدولة والمصارف لحل أزمة الإسكان

شهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، اليوم الاثنين 6 يوليو فعاليات “الحوارية الوطنية للإسكان …