الأخيرةجمعة أبوكليبرأي

لحظة من فضلكم            

زايد….ناقص

جمعة بوكليب

 

بين جَنّتين: واحدةٌ مفقودة، وأخرى موعودة، أو ِلنقلْ بين حسرةٍ وأمل، يتعلق الأنسانُ متأرجحاً مثل “بندول” في ساعة الزمن. فهو، في آن معاً، يلتفت مُتحسّراً على ماضٍ طوى وتولّى، ويتطلعُ آملاً إلى مستقبل قادم.  وفي المابين تضيع منه فرصةُ الاستمتاع بالحاضر. وهو في ذلك لا يختلف على حمار الفيلسوف بوريدان، في تردده هل يأكل أولاً أم يشرب أولاً حتى نفق. والحلُّ؟  لسوء الحظ، فإن الأسواق، على تنوعها، في مختلف بقاع الأرض، لا تبيع حُلولاً جاهزة. والدنيا، التي نعيش فيها، ما لم تقم حربٌ نووية عالمية تضع نهاية للحياة البشرية فوقها، لن تخرج مثقال ذرة عن خط سيرها المعهود. والباقي تفاصيل يجدها المرءُ موزعةً ومنشورةً في كُتب تاريخ، كتبها مؤرخون من مختلف الجنسيات والألوان واللغات، على مر العصور، ولم يعد يقرأها بشرٌ، كانوا وما زالوا على عَجلٍ من أمرهم، وكأنهم في سباق من طرف واحد، مع زمن غير مبالٍ بهم، ويعرفون مسبقاً أنهم لن يدركوه. وهم في ركضهم، للأسف، لا يركزون الأبصار على ما في الطريق أمامهم من مخاطر محتملة ليتفادوها، لأنّهم، في ذات الوقت، وباختصار،مشغولون بالالتفات إلى الخلف: الجنّةُ المفقودة. و الخلفُ الذي يلتفتون نحوه، لا يوجد به أمل، (جنّة موعودة)، بل حسرةٌ واحباطٌ، وعضٌّ على أصابع اليدين، وحتى القدمين ندماً. وهم في ذلك يختلفون عن الذئب في هذه الناحية. لأن الذئب، بما تعلّمه من تجارب الحياة،  تعوّد، بحكم العادة،عدم الالتفات إلى الوراء، وتبنّى حكمةً صغيرة وبسيطة وعملية تقول:” اللي بتتلفته إجريه.” وهي حكمة صائبة جداً، ومفيدة وعملية، وتدلُّ على دهاء وذكاء.

الالتفاتُ إلى ماضٍ بغرض التحسّر مضيعة للوقت، وقد لا يختلف عن شيخ عجوز فقد كل أسنانه، وكلما رأى غيره يأكل لوزاً، تغصُّه حسرةٌ. وبدلاً من التفكير لايجاد حل لمشكلته، يتيح له أكل اللوز، يهرب إلى الماضي، ويبدأ يحكي لمن حوله، عن قوة وجمال أسنانه، قبل أن يأتي عليها الزمن. الالتفات إلى الماضي،  قد يكون اضاعة لوقت ثمين، ما لم يكن بهدف الفرز والغربلة بعقلية موضوعية وبعيون على الحاضر والمستقبل، إن شئنا وصولاً إلى جنّة موعودة، في مستقبل نحلم به ونريد تحقيقه. وبذلك تكون الجنّة الموعودة، في هذا السياق، تحقيق ما نشتهي من طموحات  واللحاق بالأمم والشعوب التي سبقتنا، والمساهمة في بناء الحضارة الانسانية وتطورها.

لا أحدَ بمقدوره أن يعيد عقارب الساعات إلى الوراء مهما حاول، وهذه حقيقة. ولم نسمع مطلقاً بنجاح بشر في تحقيق ذلك. والحلم بإمكانية استعادة عصر ذهبي وأمجاد سابقة، كما أفادت التجارب البشرية على اختلافها، يكون بالتركيز على الحاضر، بمعنى الأخذ بما يوفره من إمكانات ومواد، والبدء في بناء مستقبل على ما ظل صالحاً للبقاء، وجديراً بالانتماء إلى العصر من الماضي، وبهدف شقّ طريق وسط الزمن نحو حياة  أفضل وأجمل.

“البندول”، رقّاص الساعة، بفضل التقنية الحديثة وتطورها، لم يعد في حاجة إلى نضائد تشغيل. وبالتالي، سيظل في حالة اتساق مع نفسه في علاقته المتواصلة بتسجيل الزمن. لكن البشر مَن صنعوا “البندول”، والقنبلة الذرّية، والانترنت، ووصلوا القمر والمريخ، سيظلون على حالهم في علاقتهم الصراعية مع الزمن.  بين الذين يريدون شدّه بقيود الايديولوجية، وإجباره على العودة إلى الوراء، والذين يريدون بالعلم والعمل مواصلة دفعه قدماً نحو مستقبل أفضل.

ولعلكم جميعاً تعرفون حق المعرفة، من الخاسر في ذلك الصراع، ولماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى