ألرئيسيةجمعة أبوكليبرأي

كل عام وأنتم بخير

زايد..ناقص

بقلم /جمعة بوكليب
الذين منّا عاشوا أحداث العام 2020، وأمدّ الله في أعمارهم لكي يروه مغادراً، هم أشبه بمن دخل خطأ إلى غابة مرعبة، وظل متورطاً في عتم أحراشها، ثم، وبمحض صدفة، عثر على منفذ، وخرج منها حيّاً. لا أذكر في كل حياتي عاما بقسوة ومرارة العام 2020. وكلما ألتفت للخلف، متذكراً تفاصيل ساعاته المخيفة، أشعرُ بقشعريرة في جلدي، وأحسُّ بقلبي ينكمش حتى يصير في حجم حبة بندق. لذلك، رحم الله الذين قضوا في تلك الغابة الموحشة، وهنيئاً لكل اؤلئك الذين نجوا من الكارثة. وبالفعل، هم يستحقون أن نهنئنهم بسلامتهم، وأن نتمنّى لهم عاماً جديداً، أقل رعباً وحزناً.
الحمد لله على السلامة، أينما كنتم، وكل عام وأنتم جميعاً بخير.
كنتُ أفكر في كتابة مقالة أحتفاءً بالعام الجديد، ثم صدفة شاهدتُ رسماً كاريكاتورياً في صحيفة بريطانية، يمثل حفرة عميقة، بأربع مستويات، على نمط التصنيف الذي وضعته الحكومة البريطانية للمدن، بعض ظهور طور جديد من فيروس كوفيد 19، أسرع أنتشاراً، وأشدّ فتكاً وخطورة. في أعلى الحفرة نافذة مضاءة، كتب عليها 2021، وتدلى من خلالها حبل كالذي يستخدم من قبل الطيران المروحي في عمليات الانقاذ البحري. عندها تمنّيت لو كنت أنا من أمسك بالريشة، ووضع لمسات تلك اللوحة.
أهلا ومرحباً بالعام 2021، وبما حمل إلينا في جرابه من مفاجأت. ونأمل أن يكون حضوره أفضل من سابقه، وأقل مرارة وقسوة، لنستعيد أملنا في الحياة. التمنّي حقٌ مشروع، ويختلف، شكلاً ومحتوىً،عن التكهّن. التمنّي، كدعاء أمهات، يحيل الذاكرة إلى نوع من رجاء في الله، في حين أن التكهّن يستند على توقعات قائمة على أسس ومعطيات مستقاة من الواقع، أو مجرد أوهام وتهويمات. وبطبيعة الحال، لن نكون، في هذه السطور، من ضمن أفراد جيوش المُتكهّنين، وفي نفس الوقت لن نكون مثاليين، بتمنّي أشياء ندرك، مسبقاً، استحالة تحققها فعلياً. كأن نتمنّى أن يكون عاماً بلا حروب، في كل بقاع الأرض، لأننا نعرف، من خلال تجارب التاريخ الموثقة، أن الانسانية لا تستطيع أن تعيش عاماً واحداً من دونها. الحروبُ والقتلُ وسفك الدماء والدمار وتقويض العمران، أمور تعودنا عليها، وتعيش معنا وكأنها واحد منّا، ولم يُجدِ معها نفعٌ، رغم كل ما حققه البشر من تقدم وحضارة، وما أنجزه العقل في ميادين العلوم الانسانية والتطبيقية. لكنّنا سنحاول أن نكون واقعيين جداً في تمنياتنا، بأن نتمنّى أشياء ممكنة التحقق واقعياً. مثلاً، أن تتمكن البشرية من قهر الوباء الفيروسي نهائياً، وبذلك نضمن عودة الحياة إلى كوكبنا الأرضي. وأن نستأنف مجدداً التسكع في شوارع مدننا بوجوه غير مقنعة، وأن نتمكن من الاستمتاع بحق السفر، ومن أحتضان وتقبيل أحبابنا. وأن يقي الله بلادنا شرّ الحرب، وأن نرى كل قادة أطراف النزاع في بلادنا، وقد نزع الله ما في قلوبهم من غِلّ، وجلسوا جميعاً متحلقين حول منضدة مستديرة، يوقعون، بقلوب صافية وهانئة، اتفاق سلام نهائي، يعيد لليبيا ما فقدته من استقرار وسلام، ويضع نهاية لكل ما لحق بنا من كوارث، طيلة عشر سنوات استنزفتنا وأرهقتنا على كافة المستويات. وأن تعود البسمة المطمئنة، والمفرحة إلى شفاه أطفالنا، ونراهم، مجدداً، يملؤون الدنيا من حولنا مرحاً صاخباً من دون خوف، وأن نرى بلادنا وقد تخلصت من جند المرتزقة، ومن القواعد العسكرية الأجنبية، وأستردت سيادتها، واستعادت السيطرة على حدودها. وأن يعود إلى سماء ربوعها ما فقدته من سلام وهناء.
كل عام وأنتم جميعاً بألف خير وسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق