باختصار
نشرت بعض الطبيبات على صفحاتهن في مواقع التواصل الاجتماعي أرقاما (قياسية) لحالات الولادة يوم الجمعة الماضية الذي يوافق 26/6/2026، وكأن الأمر إنجاز يحتفل به، لا ظاهرة تستدعي القلق والدراسة والمعالجة….
صور وابتسامات وتعليقات من نوع (يوم استثنائي) و(عدد غير مسبوق من المواليد) … لكن ما لم ينشر بنفس الحماس: كم طفلاً من هؤلاء انتهى به الأمر في الحضانة؟ أو تحت التنفس الاصطناعي؟
يبدو أن (ترند 26/6/2026) لم يمر كأي يوم عادي، بل تحول عند البعض إلى مناسبة خاصة…. لتحديد موعد الولادة…. إذ لم يعد السؤال: هل الجنين مكتمل النمو؟ بل: هل التاريخ (مميز) بما يكفي ليناسب صورة جميلة ومنشوراً جذاباً على فيسبوك أو إنستغرام؟
في عدد من المصحات داخل العاصمة طرابلس، تم تسجيل عشرات حالات الولادة في هذا اليوم تحديداً، واللافت أن نسبة معتبرة من المواليد انتهى بهم الحال في الحضانة بحسب دكاترة وممرضين يعملون في تلك المصحات…. وهنا المفارقة الساخرة: الأم تحتفل بتاريخ “مميز”، والطفل يبدأ حياته بين الأجهزة وأنابيب الأكسجين…. ترند ناجح رقمياً…. لكنه فاشل صحياً وإنسانياً.
لو تحدثنا بشكل علمي، الأمر ليس بسيطاً كما يتصور البعض، فالولادة قبل اكتمال الأسبوع التاسع والثلاثين تعني غالباً أن رئتي الطفل لم تكتمل جاهزيتهما بعد… والنتيجة قد تكون صعوبات في التنفس، أو ضعف في المناعة، ومشاكل صحية قد تمتد آثارها لفترة طويلة ومستدامة أيضاً…. وجل من هذه الحالات تحتاج إلى رعاية خاصة داخل الحضانة، وهو ما يفسر الارتفاع المفاجئ في أعداد المواليد داخل هذه الأقسام في مثل هذه “الأيام الترندية”.
المشكلة الحقيقية ليست فقط في بعض الأمهات اللواتي انجرفن خلف فكرة “مولود بتاريخ مميز”، بل في مستوى الوعي العام…. هناك من يتعامل مع الولادة وكأنها موعد يمكن تقديمه أو تأخيره حسب المزاج، أو حسب “الترند”… ويزيد الأمر سوءاً حين يساير بعض الأزواج هذه الرغبة دون إدراك لحجم المخاطرة، وكأن المسألة اختيار يوم لرحلة، لا قرار يتعلق بصحة إنسان.
لكن الكارثة الأكبر تظهر عندما يدخل الطب على الخط… بطريقة خاطئة، حين يوافق بعض الأطباء والطبيبات على هذه الطلبات دون مبرر طبي، فإنهم لا يسايرون فقط رغبة عابرة، بل يشاركون في تعريض حياة طفل للخطر…. فالطب ليس خدمة (ما يريده المرضى)، وليس مجالاً لتحقيق رغبات مؤقتة، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مهنة.
باختصار… إن ترند 26/6/2026 كشف جانباً مؤلماً من واقع مجتمعنا، ضعف الوعي، والمبالغة عند بعض المهووسين، وسطحية التفكير، والاستعداد للمغامرة بصحة الأبناء من أجل تاريخٍ مميز وجميل…. لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى ترند هي أن الطفل لا يهمه رقم اليوم، بل يهمه أن يولد سليماً…. والصحيح أننا بحاجة إلى ترند جديد… اسمه الوعي،
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية