في لحظات يظن فيها الإنسان أنه أحكم سيطرته على المرض، تعود بعض الأوبئة القديمة لا بوصفها مفاجأة لكنها كاشفة لخلل كامن في بنية الأنظمة الصحية والمجتمعية.
إنها لا تعود لأنها أقوى بل لأن شروط عودتها قد نضجت ومنها هشاشة في الوقاية، وارتباك في الوعي، وتراجع في الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية.
وهنا لا يكون الخطر في المرض ذاته إنما في البيئة التي تسمح له أن ينتشر بصمت.
إن ما نشهده اليوم في بعض الدول ليس عودة مرض بعينه بل عودة منظومة أمراض تتغذى على نفس الثغرات. وفي مقدمتها يبرز السل ذلك المرض الذي لم يغادر المشهد يومًا، لكنه يستعيد حضوره حين تتوفر له بيئة الازدحام وسوء التهوية وضعف الكشف المبكر.
السل لا يعلن عن نفسه بصخب، إنه ينتشر بهدوءٍ مقلق متخفيًا خلف أعراض قد يُساء تفسيرها أو يُستهان بها كالسعال المزمن والحمى وفقدان الوزن، ليصبح خطره الحقيقي في تأخر اكتشافه واستمرار سريانه داخل المجتمع.
وبالتوازي تظهر أمراض أخرى مثل الحمى المالطية، التي ترتبط بأنماط معيشية وغذائية لا تزال خارج دائرة الضبط الصحي الصارم خاصة استهلاك الألبان ومشتقاتها غير المبسترة، أو التعامل المباشر مع الحيوانات دون احتياطات.
هذا المرض بطبيعته الخادعة وأعراضه غير النوعية، يضيف طبقة أخرى من الالتباس، حيث تتداخل صورته السريرية مع أمراض أخرى مما يُربك التشخيص ويؤخر التدخل.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار حضور أمراض تنفسية أخرى مثل الإنفلونزا، وبقايا أو تحورات كوفيد-19، فتتشابه الأعراض وتختلط المؤشرات، ويجد المواطن نفسه في فضاءٍ من المعلومات المتضاربة بين تحذيرات غير مكتملة، وطمأنة غير دقيقة، وأصوات غير متخصصة تتصدر المشهد. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية ليست أزمة مرض إنها أزمة وضوح وليست نقصًا في المعرفة، بل خللًا في إيصالها وليست غيابًا للجهد، إنما ضعفًا في تنسيقه. فحين يغيب الخطاب الصحي الموحد، وتتعدد مصادر المعلومة دون مرجعية واضحة، يفقد المجتمع بوصلته، ويتأرجح بين الخوف المفرط والإهمال الخطير، وكلاهما يُسهم بشكلٍ أو بآخر، في توسيع دائرة الخطر. إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بردود أفعال آنية إنما بإعادة بناء منظومة الوقاية على أسس صلبة فعلى المستوى المجتمعي يبدأ الأمر بالوعي والامتناع عن استهلاك المنتجات غير الآمنة خاصة الألبان غير المبسترة، والانتباه للأعراض المستمرة أو غير المفسرة، وطلب الاستشارة الطبية في وقت مبكر، والابتعاد عن الشائعات والعلاجات غير الموثوقة.
وعلى المستوى الصحي يتطلب الأمر تفعيلًا حقيقيًا لنظم الترصد الوبائي، وتعزيز قدرات التشخيص المبكر، وتدريب الكوادر على التفريق بين الأمراض المتشابهة، وتوفير الفحوصات بشكل عادل ومتاح بما يضمن اكتشاف الحالات قبل أن تتحول إلى بؤر انتشار. أما على المستوى المؤسسي فإن المسؤولية أكبر في توحيد الخطاب الإعلامي الصحي، وفرض رقابة صارمة على سلاسل الغذاء، ودعم برامج الصحة البيطرية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الأمراض المشتركة، والاستثمار الجاد في الوقاية بوصفها الخيار الأكثر كفاءة واستدامة.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو التطبيع مع الخطر وأن يصبح وجود المرض أمرًا مألوفًا، وأن يُنظر إليه كقدر لا يُدفع. فالأمراض لا تنتصر بقوتها بل بضعف استجابتنا لها، وبعجزنا عن تحويل المعرفة إلى سلوك، والسياسة إلى نظام والتحذير إلى فعل.
إنها لحظة تتطلب يقظة ووضوحا وثقة تبنى على الحقيقة وليس فزعًا وتضاربًا ولا على التطمين الزائف. فالصحة العامة ليست مجرد غياب المرض بل حضور النظام الصحي وتكامل الأدوار واستعداد المجتمع ليكون شريكا في الحماية، لا مجرد متلق للخطر.
إن المعركة ليست ضد مرض بعينه إنها ضد الظروف التي تسمح للأمراض أن تعود. فإذا أُصلحت البيئة انحسر الخطر وإذا استعاد الوعي مكانه تراجعت العدوى، وإذا توحدت الكلمة استعاد المجتمع قدرته على المواجهة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية