ألرئيسيةرأي

علبة هندسة

براح
_________
محمود البوسيفي

_________

لعلها المعركة الوحيدة التي لا تسفك فيها الدماء، بقدر ما تسمح به في احايين كثيرة بتقاسم الغنائم بين الخصوم، توشك وأنت تتابع ما يحدث أمامك مباشرة أن ترى المشاركون وهم يحملون علب الهندسة ويفتحونها أثناء المواجهة ويخرجون ما يناسب خططهم وما تفرضه طبيعة المعركة من مساطر ومثلثات وفرجار ومنقلة، يصنعون من شخبطاتها صيحات تطلقها مدرجات مهرجانية، بالضبط مثلما بمقدورهم صناعة صمت لا تجده إلا في المقابر، أثنان وعشرون شيطانا يبتكرون معجزة ان تشبك ذراعك بمرفق البهجة، ان تشعر بالرضا، أو أن تعرف دلالة الغم، ومعنى تزاحم الهموم.
ليس أقل من مئات الملايين من عملة اليورو ( فرضتها ألمانيا على شركائها في القارة العجوز)، قبل أن تدفعها إلى سلة الدولار والين والاسترليني.. وتحسبا لليوان الصيني الذي يراقب كصقر يتحين فريسته، ويتابع كثعلب لا يزعجه الضؤ، وبدرجة اقل ( حتى الآن) للروبل الخجول الذي احتاج الى حرب تخرجه عن صمته. مئات الملايين من اليوروات تتكدس في ملاعب خضراء، حين يلتقي منتخبان يطمحان للعودة بكأس جول ريميه.. مصرف تتقاذفه أقدام ذهبية لساعة ونصف، أو أكثر قليلا، كل لاعب يساوي ثروة كفيلة بانقاذ قرية أفريقية من العطش.
إلى جانب مجلس الأمن والذي عجز حتى الآن عن توفير الأمن لمن يحتاجه فعلا ( فلسطين، ليبيا، العراق، سوريا، الصومال، أفغانستان… مثلا) ،هناك الاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا) الذي تأسس في 1904 كمظمة وفقا للقانون السويسري تهدف كما ينص نظامها الي تطوير لعبة كرة القدم.
يحق لمجلس الأمن بما يمتلكه نصف أعضاءه من النووي ان يحرق رافعا لواء فصله السابع، الأخضر واليابس.. كرة القدم تحولت من لعبة تقترح البهجة إلى وزارة سيادية في حكومة العالم، تدس أنفها في تفاصيل الشؤون الداخلية للدول ( الصغرى بطبيعة الحال)، رافعة مؤشر ارصدتها إلى أكثر من خمسة مليارات دولار، تتصاعد كل بطولة، بعد أن حولت اللاعبين إلى عبيد يباعون ويشترون، وحولت ملايين البشر إلى عيون زجاجية تصرخ على المدرجات، ومتمترسة وراء الشاشات.
تتذكرون ماذا صنع الساحر الأرجنتيني مارادونا بفريقه الايطالي المغمور، وفي منتخب بلاده، وكيف كانت نهاية رحلته الأسطورية بالاجهاز عليه لأنه طالب بتأسيس نقابة للاعبين المحترفين تدافع عنهم في مواجهة انديتهم والفيفا… حاصرته ( المافيا) وسربت له خفية مخدرات الإدمان حتى تمكنت منه.. وارسلته إلى الكارثة..
خلال الشهر المقبل سيعيش العالم احد تلك المهرجانات التي ينسى فيها الناس جرائم يرتكبها الطغاة علانية، لا أحد يهتم، لا أحد يكثرت، حيث لا صوت يعلو على صوت الركل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى