منصة الصباح
الصيد الجائر للطيور البرية في ليبيا.. مشاهد تكشف حجم الاستنزاف
الصيد الجائر للطيور البرية في ليبيا.. مشاهد تكشف حجم الاستنزاف

صيد الطيور بين الهواية والاستنزاف

الصباح | تقرير
إعداد: طارق بريدعة

تحولت ممارسة صيد الطيور البرية في ليبيا، في بعض الحالات، من هواية مرتبطة بالمتعة وممارسة الصيد المنظم إلى منافسة على أعداد الطرائد، وسط مشاهد لطيور نافقة مكدسة بأعداد كبيرة، أثارت تحذيرات منظمات بيئية ليبية من تنامي الصيد الجائر والاتجار غير المشروع بالحياة البرية.وتداولت منصات إخبارية عربية ودولية ومحلية تقارير ومتابعات حول الظاهرة، من بينها الجزيرة نت، فيما واصلت منظمات ليبية متخصصة في حماية الطبيعة والطيور التحذير من آثار الصيد غير المنظم على الأنواع المهاجرة والمقيمة.ولا تضع المنظمات البيئية المعنية بالصيد المسؤول كل ممارسات الصيد في خانة المخالفة، لكنها تركز على المبالغة في أعداد الطرائد، والتفاخر بالحصيلة، وتحول الصيد من نشاط فردي محدود إلى منافسة قد تستنزف أعداد الطيور وتفتح الباب أمام الاتجار بها.

عندما يتحول الصيد إلى سباق أعداد

نشرت منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا، عبر صفحتها الرسمية، صورا ومشاهد لأعداد كبيرة من الطيور التي جرى اصطيادها، معتبرة أن المشكلة لا تكمن في الصيد المسؤول والمنظم، وإنما في ثقافة المبالغة والتفاخر بعدد الطرائد.وأكدت المنظمة أن الصياد الواعي يفترض أن ينظر إلى استمرار وجود الطريدة باعتباره أهم من حصيلة يوم واحد، محذرة من أن نشر صور الصيد بأعداد ضخمة قد يدفع آخرين إلى تقليد أصحابها والدخول في منافسة على عدد الطيور التي يمكن اصطيادها.ومن بين المشاهد التي أثارت انتباه المنظمة، صورتان لورقتين وُضعتا على مجمدين، تشير البيانات المكتوبة عليهما إلى احتواء كل مجمد على نحو ألف حمامة.وترى المنظمة أن نشر مثل هذه المشاهد بصورة تفاخرية يمكن أن يحول الحياة البرية إلى ما يشبه «مسابقة في الاستنزاف»، خصوصا عندما تصبح الأعداد الكبيرة معيارا للتفاخر بين الصيادين.ولا تتوقف المشكلة عند نفوق الطيور، إذ يتحدث بعض الصيادين المنضبطين، في مقاطع متداولة، عن تراجع أعداد الطرائد مقارنة بما كان متاحًا في سنوات سابقة، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثير الصيد المكثف في التجمعات البرية.

القمري الأوروبي.. من طائر مهاجر إلى سلعة

ولم تقتصر التحذيرات على صور الصيد، بل امتدت إلى عرض بعض الطيور البرية للبيع، وهو ما اعتبرته الجمعية الليبية للطيور مؤشرًا على انتقال الظاهرة، في بعض الحالات، من ممارسة صيد فردية إلى نشاط ذي طابع تجاري.وركزت الجمعية على اليمام القمري الأوروبي، باعتباره من الطيور المهاجرة التي تعبر ليبيا خلال رحلتها بين مناطق التكاثر ومناطق الشتاء في أفريقيا، مشيرة إلى أن الضغوط الواقعة على هذا النوع تزداد عندما يتحول صيده إلى تجارة.وترى الجمعية أن بيع الطيور البرية يزيد الضغط على الأنواع المهاجرة، ويجعل حماية تجمعاتها الطبيعية أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تنظيم مواسم الصيد وكمياته ووسائله، وتعزيز الرقابة على أرض الواقع.

ليبيا.. محطة مهمة على طريق الهجرة

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لليبيا على مسارات هجرة الطيور بين أوروبا وأفريقيا.فالساحل الليبي، إلى جانب الأراضي الرطبة والسبخات والبحيرات والواحات والأودية، يوفر مواقع للتوقف والتغذية والراحة للعديد من الطيور المهاجرة.ويغطي التقرير الوطني للتعداد الدولي للطيور المائية في ليبيا نتائج الرصد الميداني خلال الفترة من 2019 إلى 2023، ويعرض وضع الطيور المائية المهاجرة والمقيمة وأبرز الاتجاهات والضغوط البيئية التي تواجهها النظم الرطبة في البلاد.وتواصل ليبيا خلال 2026 المشاركة في برنامج التعداد الدولي للطيور المائية، حيث نفذت الجمعية الليبية للطيور، بالتعاون مع وزارة البيئة وجامعة طرابلس، عمليات رصد في مواقع ساحلية ورطبة عدة، شملت مناطق في غرب البلاد وشرقها والجبل الأخضر.ويكتسب هذا الرصد أهمية خاصة، لأنه يوفر بيانات علمية تساعد في متابعة الأنواع وأعدادها والتغيرات الموسمية التي تطرأ عليها، كما يدعم جهود حماية الأراضي الرطبة والتنوع الحيوي في ليبيا.

نصف مليون طائر.. ماذا يعني الرقم؟

 

الصيد الجائر للطيور البرية في ليبيا.. مشاهد تكشف حجم الاستنزاف
صور من الجزيرة نت

وتضع تقديرات دولية حجم القتل غير القانوني للطيور في ليبيا ضمن ظاهرة أوسع تشهدها منطقة المتوسط وشمال أفريقيا.وبحسب تقرير «The Killing 3.0» الصادر عام 2025 عن «بيردلايف إنترناشونال» و«يورونتشر»، يبلغ التقدير الخاص بليبيا نحو 503 آلاف طائر يُقتل بصورة غير قانونية سنويًا. غير أن التقرير يوضح أن هذا الرقم هو تقدير سابق يعود إلى دراسة منشورة عام 2016، ولا يمثل إحصاءً رسميًا حديثًا للعامين 2025 أو 2026، لعدم توفر تقدير وطني رسمي جديد.ويصنف التقرير ليبيا ضمن الدول العشر الأعلى في مستويات القتل غير القانوني للطيور في المنطقة التي شملها التقييم، كما يشير إلى زيادة طفيفة في الاتجاه منذ عام 2020.وبالتالي، لا يمكن التعامل مع رقم 503 آلاف طائر باعتباره رقمًا رسميًا حاليًا، لكنه يمثل مؤشرًا دوليًا على حجم المشكلة، ويبرز الحاجة إلى بيانات وطنية حديثة ترصد أعداد الطيور المصطادة، والأنواع المستهدفة، ومواسم الصيد، والمناطق التي تشهد أعلى مستويات المخالفات.أما صور آلاف الطيور المكدسة في مجمدات، فهي لا تثبت وحدها حجم الصيد على المستوى الوطني، لكنها تكشف، وفق المنظمات البيئية، عن نمط من الصيد واسع النطاق يستحق التوقف عنده.

سوق الطرائد يزيد الضغط

ويرى أحمد عجاج، مدير منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا، أن المشكلة ترتبط بصورة أساسية بالإسراف في الصيد، إضافة إلى وجود سوق لبعض الطيور البرية. ويؤكد أن المنظمة ليست ضد الصيد المسؤول الذي يقتصر على الاستخدام الشخصي، لكن وجود سوق للطرائد وارتفاع أسعار بعض الأنواع يمكن أن يشجعا على زيادة عمليات الصيد والتنافس على الكميات. وبهذا المعنى، فإن المشكلة لا تبدأ من البندقية وحدها، وإنما من سلسلة تشمل الصيد والنقل والعرض والبيع والطلب على الطرائد، وهو ما يجعل مواجهة الظاهرة مرتبطة أيضًا بمراقبة الأسواق ومنافذ بيع الطيور البرية.

الحجل البربري.. ضحية أخرى للصيد الجائر

ولا تقتصر مخاوف المهتمين بالحياة البرية في ليبيا على الطيور المهاجرة، إذ يظهر الحجل البربري (Alectoris barbara)، وهو أحد الطيور البرية المحلية، في بعض الأسواق الشعبية معروضًا للبيع بعد اصطياده من بيئته الطبيعية، ما يثير مخاوف من استمرار استنزاف أعداده.وتنظم التشريعات الليبية صيد الحجل ضمن مواسم محددة، فيما يحظر قانون الصيد رقم 28 لسنة 1968 اصطياده بالشباك أو الأقفاص أو الوسائل المماثلة، كما يشترط الحصول على ترخيص لممارسة الصيد.ويحذر مختصون في الحياة البرية من أن ارتفاع الطلب على الحجل البربري قد يشجع على تكثيف صيده، خصوصًا خلال فترات التكاثر أو باستخدام وسائل غير مشروعة، الأمر الذي قد يؤثر في أعداده داخل موائله الطبيعية.ولا يمثل الحجل البربري مجرد طائر بري قابل للصيد أو البيع، بل يعد جزءًا من التنوع الحيوي المحلي، ما يجعل حمايته مرتبطة بالحفاظ على التوازن الطبيعي للموائل التي يعيش فيها.

قانون يعود إلى 1968

تطرح ظاهرة الصيد الجائر سؤالًا آخر يتعلق بالإطار القانوني المنظم للصيد في ليبيا.فالقانون رقم 28 لسنة 1968 بشأن الصيد ينظم صيد الحيوانات والطيور البرية، ويشترط الحصول على ترخيص، كما يحدد مواسم ومناطق ووسائل للصيد، ويتضمن أحكامًا بشأن حماية أنواع معينة. كما يمنح الجهة المختصة صلاحيات لتعديل مواسم الصيد، ومنع صيد أنواع محددة، وحظر الصيد في مناطق معينة أو بوسائل معينة.لكن مرور أكثر من نصف قرن على صدور القانون يطرح الحاجة إلى مراجعة منظومة تنظيم الصيد وتحديث أدوات الرقابة والردع بما يتناسب مع واقع الحياة البرية، والتغيرات التي طرأت على أعداد الأنواع ومسارات الهجرة ووسائل الصيد والتجارة الحديثة.كما أن بعض العقوبات الواردة في القانون تعود إلى مرحلة اقتصادية وتشريعية مختلفة؛ إذ تتضمن النصوص غرامات محدودة القيمة مقارنة بالواقع الحالي، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرتها على الردع في الوقت الراهن.أما قانون حماية وتحسين البيئة رقم 15 لسنة 2003، فيوفر إطارًا أوسع لحماية الحيوانات والطيور البرية والحفاظ عليها من الانقراض، بما في ذلك الحماية المرتبطة بالصيد والمناطق المحمية.

خمسة عناصر لتنظيم الصيد

ويرى مختصون في حماية الطبيعة أن أي منظومة حديثة للصيد تحتاج إلى تحديد واضح لخمسة عناصر أساسية:

أولًا: أنواع الطيور التي يسمح بصيدها.

ثانيا: المناطق التي يسمح فيها بالصيد، والمناطق المحمية أو الحساسة التي يمنع فيها.

ثالثا: تحديد مواسم الصيد بما يتوافق مع دورات التكاثر ومسارات الهجرة.

رابعا: تحديد وسائل الصيد المسموح باستخدامها، لمنع الوسائل التي تؤدي إلى اصطياد أنواع غير مستهدفة أو أعداد كبيرة بصورة عشوائية.

خامسا: تحديد سقف للكميات التي يسمح للصياد المرخص باصطيادها.

 الصيد ليس مبررا لاستنزاف الحياة البرية

ليس من المنطقي أن تتحول ممارسة الصيد، التي يفترض أن تكون نشاطا منظما تحكمه القوانين والضوابط، إلى مبرر لاستنزاف الطيور البرية وترك أعداد كبيرة منها مكدسة في الأسواق أو المجمدات، بينما تتراجع أعداد بعض الأنواع في الطبيعة. المشكلة، في تقديري، لا تكمن في الصياد الذي يلتزم بالقانون ويصطاد في الموسم المسموح وبالوسائل والكميات المحددة، وإنما في من يتعامل مع الحياة البرية باعتبارها موردا مفتوحا بلا حدود، وفي ضعف الرقابة على الممارسات المخالفة. ولا ينبغي أن تكون صور مئات أو آلاف الطيور النافقة مجرد مشاهد عابرة أو مادة للتفاخر فهي، قبل كل شيء، مؤشر يستحق المساءلة حول كيفية حدوث هذا الصيد، وكيف وصلت هذه الكميات إلى الأسواق أو المجمدات، وما إذا كانت قد تمت وفق التراخيص والمواسم والوسائل التي يحددها القانون. إن ترك المخالفات دون ردع لا يضر بالطيور وحدها، بل يضر أيضا بالصيد المنظم والصيادين الملتزمين بالقانون، لأن استمرار التجاوزات يفرغ فكرة التنظيم من مضمونها ويجعل الالتزام بالقواعد أقل جدوى أمام من يتجاوزها.

شاهد أيضاً

الفريق الحكومي للاستجابة السريعة يتفقد تداعيات السيول في نسمة

147 حالة صحية جراء التقلبات الجوية في مزدة والشقيقة ونسمة

  أظهرت إحصائيات أولية أعلنتها وزارة الصحة بحكومة الوحدة الوطنية تسجيل 147 حالة صحية في …