مجلة (ذا نيويوركر) في مئويتها
نشرت لكتّاب عرب بينهم الروائي الليبي-الأميركي هشام مطر
ترجمة وإعداد عبدالسلام الغرياني
في عامها المئة، تعود مجلة The New Yorker إلى الواجهة محمولةً على تاريخ ثقيل بالإنجازات والرموز. مئة عام منذ صدور عددها الأول عام 1925، استطاعت خلاله أن تتحول من مجلة أسبوعية أنيقة إلى واحدة من أهم مؤسسات الذوق والكتابة في العالم الناطق بالإنجليزية. كانت حضورًا ثقافيًا مؤثرًا أسهم في تشكيل أسلوب تفكير خاص، وصاغ طريقة مميزة للنظر إلى العالم، ورسّخ تقاليد راسخة في السرد الصحافي والأدبي.

الاحتفاء بالمئوية يبدو مستحقًا، فالمجلة شاركت في بناء الخيال الثقافي الأمريكي، واحتضنت أسماء صنعت قرنًا من الكتابة الرفيعة، ونجحت طويلًا في جعل التفاصيل الصغيرة مرآة لأسئلة كبرى.
وليس من باب الإنصاف الحديث عن أفول دور The New Yorker من دون التذكير بالدور الذي أدته طويلًا في صناعة أسماء لا يمكن فصلها عن تاريخ الأدب والصحافة الحديثة. عبر صفحاتها شقّ جيمس ثربر طريقه بوصفه ساخرًا أعاد تعريف الذكاء اليومي، ووجد جوزيف ميتشل المساحة اللازمة ليحوّل الهامش الإنساني إلى مادة أدبية خالدة. في عدد واحد خصصته لنص «هيروشيما»، جعلت من جون هيرسي اسمًا عالميًا، وكرّست الصحافة السردية بوصفها جنسًا قائمًا بذاته. عبرها رسّخ ترومان كابوتي أسلوبه قبل أن يصبح نجمًا، وبنى جون تشيفر مجده قصةً بعد أخرى، حتى صار صوت الضواحي الأمريكية. وفي الشعر والمقال، فتحت المجلة أبوابها لأصوات مثل إليزابيث بيشوب وجوان ديديون، فأعطت للكتابة الهادئة، المتأملة، وزنًا نادرًا في سوق يعشق الضجيج. حتى في زمن أقرب، لم تكن المجلة بعيدة عن صناعة السمعة الأدبية، كما في حالة جورج سوندرز ومارغريت آتوود، حيث لم يكن النشر فيها تتويجًا فحسب، إنما جزءًا من تشكّل التجربة ذاتها.
على مر عقود، لم تقتصر The New Yorker على نشر أعمال كتّاب غربيين فقط، بل أعطت مساحة لأصوات عربية وأفريقية. من بين هؤلاء الروائي الليبي-الأميركي هشام مطر، الذي نشرت المجلة له قصصًا قصيرة ومقالات تتناول النزاع والهوية، والفلسطيني مصعب أبو طه الذي ظهرت له مقالات حول حياة الفلسطينيين في غزة، بما يوضح دعم المجلة للأصوات العربية المعاصرة. كما اهتمت المجلة بالأدب العربي من خلال مقالات مثل Arabian Days التي استعرضت دور المترجم دينيس جونسون-دايفيز في تقديم أعمال نجيب محفوظ، حنان الشيخ والطيب صالح للقراء الغربيين. على الصعيد الأفريقي، شاركت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي في فعاليات New Yorker Festival، ما يعكس التفاعل المستمر للمجلة مع الأصوات العالمية حتى وإن لم تُنشر جميع نصوصهم فيها مباشرة، مؤكدّة بذلك مكانتها منبراً ثقافياً يفتح أبوابه لمواهب وأدباء من خارج الغرب.
خلف هذا الاحتفال يطفو سؤال لا يمكن تجاهله: هل ما زالت The New Yorker، بعد قرن كامل، تحتفظ بصلتها الحقيقية بالعالم الذي تكتب عنه؟ هذا السؤال يقف في صميم الجدل الذي أثارته أطروحات تتحدث عن أفول تأثير المجلة، لا بوصفها منبرًا رديئًا أو متهاويًا، وإنما بوصفها منبرًا آمنًا أكثر مما ينبغي. الفكرة الأساسية لا تزعم أن المجلة فقدت مهارتها، بل تشير إلى تراجع شهية المغامرة. لم تعد تُنتج المعنى بالقدر نفسه الذي كانت تفعله، وأصبحت أقرب إلى إعادة تدوير ما هو مألوف، كما خفّ حضور قدرتها على إقلاق القارئ واستفزازه فكريًا.
في مراحلها الأكثر حيوية، كانت The New Yorker مساحة للشك ومختبرًا للقلق الأمريكي ومنصة تُنصت للهامش وتعيد صياغته بلغة أدبية دقيقة وبطيئة. اليوم يرى كثيرون أنها تخاطب جمهورًا يعرف مسبقًا ما سيجده بين صفحاتها. الموقف الأخلاقي متوقّع، والزاوية السياسية محسوبة، ونبرة النقد تدور داخل إجماع ثقافي واسع. في هذه الحالة تتحول القراءة من فعل اكتشاف إلى طقس، ومن مغامرة فكرية إلى تأكيد للانتماء.
الإشكال هنا لا يتعلق بالأيديولوجيا في ذاتها بقدر ما يتعلق بتأثيرها في الكتابة حين تتحول إلى يقين ثابت. النصوص التي تُكتب وهي تعرف مسبقًا تصفيق جمهورها تفقد قدرتها على الإزعاج، والإزعاج كان أحد أسرار قوة المجلة عبر تاريخها. ضمن هذا السياق يبهت تفرد The New Yorker داخل مشهد إعلامي متشابه، وتبدو أقرب إلى صوت منسجم مع ذاته بدل أن تكون صوتًا يستجوب عصره ويضعه موضع مساءلة.
مع ذلك، لا يخلو هذا النقد من حنين مبالغ فيه إلى ماضٍ يُفترض أنه كان أنقى وأكثر جرأة. المجلة كانت دائمًا نخبوية ولم تكن يومًا مشروعًا جماهيريًا بالمعنى الواسع. الفارق أن نخبويتها القديمة كانت نخبويّة مُنتِجة تراهن على الذكاء والمخاطرة، بينما تميل اليوم إلى نخبويّة تُدير توافقًا ثقافيًا مستقرًا. يضاف إلى ذلك أن المجلة تعمل داخل زمن يعاقب البطء ويكافئ السطحية، ويقيس التأثير بعدد النقرات لا بعمق الأثر. في عالم كهذا يصبح الحفاظ على الكتابة الطويلة فعل مقاومة، حتى عندما يرافقه قدر من الحذر.
ورغم كل شيء، لم تفقد The New Yorker مقومات تجعلها جديرة بالقراءة. ما تزال تنشر تحقيقات طويلة لا يجرؤ كثيرون على تمويلها، ونصوصًا أدبية تذكّر بأن الكتابة ليست موقفًا سياسيًا فقط، وإنما شكل من أشكال المعرفة والجمال. أزمتها الحقيقية ليست أزمة جودة، بل أزمة جرأة فكرية تتعلق بطرح الأسئلة غير المريحة، والاقتراب من المناطق الرمادية، والقدرة على الكتابة أحيانًا ضد مزاج جمهورها بدل الاكتفاء بملاطفته.
في مئويتها، لا تبدو The New Yorker مجلة فقدت حياتها، وإنما مجلة بلغت درجة عالية من الاستقرار. تكتب بإتقان، تفكر بحذر، وتخاطر على استحياء. السؤال الذي يبقى بعد انطفاء أضواء الاحتفال لا يدور حول ما إذا كانت قد أصبحت غير ذات صلة، وإنما حول ما إذا كانت تكتفي اليوم بأن تكون ذاكرة ثقافية محترمة، أم أنها لا تزال قادرة على أن تكون، كما كانت يومًا، مصدر إزعاج ذكي لعصرها. بعد مئة عام، هذا هو الامتحان الحقيقي.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية