منصة الصباح
د. علي عاشور

شَهْرُ رَمَضَان… وَالْحَرْب عَلَى طَهْرَان

باختصار

     في شهر يفترض أن تهدأ فيه المدافع احتراما لمكانته في نفوس المسلمين، استفاقت المنطقة على صوت مختلف…. لم تكن مآذن الفجر وحدها من أعلنت دخول اليوم، بل الغارات الأولى التي اختارت القلب لا الأطراف، والرأس لا الجسد. هكذا بدأ العدوان على إيران في رمضان، ضربة مباشرة إلى مركز القرار، وصورة صادمة تتكرر كما لو أنها مشهد يطلب المخرج بإعادتهبقسوة أكثر عن سابقتها.

    في الحروب القديمة كانت المعركة تتدرج… اشتباكات هناوقصف هناك، ثم تصعيد بطيء يمنح السياسة فرصة أن تتدخل أما ما حصل في إيران فالمشهد مختلف، الصواريخ لا تبحث عن الخنادق بقدر ما تبحث عن العناوين الكبرى، والرسالة ليست عسكرية فحسب، بل نفسية قبل كل شيء، أن تستهدف القيادات منذ اللحظة الأولى، فذلك إعلان بأن زمن التمهيد انتهى، وأن الصدمة هي الاستراتيجية.

    كيف يعقل أن يقتل المرشد الأعلى (الخميني) وزملاؤه فيالضربة الافتتاحية للحرب؟ أهو اختراق عميق إلى هذا الحد؟ أم أن الحرب نفسها تبدلت حتى لم تعد الحماية التقليدية كافية؟ في عالم تُحلق فيه الأقمار فوق كل شبر، وتقرأ فيه الإشارات قبل الكلمات، لم تعد المسافة بين المعلومة والصاروخ طويلة…. والرصد يسبق الحركة والتحليل يسبق القرار، وما كان يخفى في الغرف المغلقة صار مكشوفا أمام عيون لا تنام.

     لكن الاكتفاء بتفسير الاختراق يجعل النقاش في زاوية ضيقة،استهداف الرأس في البداية ليس مجرد نجاح استخباراتي، بل خيار سياسي محسوب، فحين يضرب مركز القرار، يراد إرباك الدولة والشعب قبل الجيش، وإرباك الحلفاء قبل الخصوم، وإيصال رسالة بأن قواعد الردع القديمة لم تعد ذات جدوى.

     العدوان لم يكن حدثاً معزولًا في نزاع ثنائي، صحيح أن المواجهة المباشرة تتصدرها إسرائيل، ويدعمها حضور واضح للولايات المتحدة الأمريكية، لكن الصورة أوسع من تبادل ضربات، فإيران ليست مجرد ساحة اشتباك، بل عقدة جغرافية وسياسية في قلب شبكة معقدة من المصالح والممرات والتحالفات، وأي إضعاف لها يتجاوز حدودها ليطال توازنات إقليمية ودولية، فالغاية هي إضعاف القوة الاقتصادية للصين.

      في رمضان تتبدل إيقاعات الحياة، ولكن يبدو أن إيقاع الحروب لم يعد يعرف مواسم، الضربة الأولى صارت عنوان المرحلة، لا مقدمة لها، والرسالة واضحة، لا خطوط حمراء ثابتة، ولا حصانات دائمة، ولا وقت لإعادة ترتيب الصفوف.

    يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ما نشهده هو نتيجة اختراق، أم نتيجة تحول جذري في شكل الصراع؟ ربما الاثنان معا…. فالعالم الذي تدار فيه المعارك بالبيانات بقدر ما تدار بصواريخ كروز وتوماهوك، لم يعد يمنح أحداً الآمان الكامل.

       رمضان هذا العام لم يكن شهر انتظار وترقب فحسب، بل شهر صدمة كبرى، صدمة تقول إن الحروب الحديثة تبدأ من القلب، وإن الضربة الأولى قد لا تكون تمهيداً، بل محاولة لحسم الرواية منذ لحظتها الأولى …. وما بين الصاروخ والخبر العاجل، يتشكل مشهد جديد… عنوانه أن الصراع لم يعد على الأرض وحدها، بل على مركز القرار ذاته.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

انطلاق حملة تحصين أبقار الحليب ضد الحمى القلاعية في مصراته لتعزيز الأمن الغذائي

انطلاق حملة تحصين أبقار الحليب ضد الحمى القلاعية في مصراته لتعزيز الأمن الغذائي

انطلقت حملة تحصين أبقار الحليب ضد مرض الحمى القلاعية داخل نطاق بلدية مصراتة، وذلك ضمن …