أجتماعيألرئيسية

شهد المصورة الصغيرة ..قصة كفاح ونجاح

ترويها: كوثر الفرجاني

 

النجاح طريق السعادة والعنوان الأبرز في مسيرة الحياة المفعمة بالإنجازات المتعددة لأولئك الذين حولوا العوائق إلى نجاحات باهرة، سقوها بعرق التعب، وكتبوها بالجد والاجتهاد، بأحرف من نور في صفحات حياتنا، لتبقى مثالا حيا ونبراسا يحتذى به للأجيال القادمة، يهتدون به نحو الارتقاء إلى سلم التقدم .

من هؤلاء الناجحين، بطلة قصتنا التي استطاعت وبدعم قوي من والديها الكرام أن تصعد درجات سلم النجاح بخطى ثابتة، وتخلق نمطا متفردا لا يتكرر،فالناجحون كثر، ولكن يبقى منهم من حقق نجاحه في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها صعبة، في طريق شائك، مليء بالمطبات والعراقيل والعوائق، وهذا ما سنعيشه من خلال تفاصيل قصة شهد المصورة الصغيرة ، نعرضها اليوم كنموذج مشرق ومضيء، نأمل أن نراه في كل بيت به طفل ذو احتياج خاص.

القصة في حقيقتها ليست لبطلة واحدة، وإنما اثنتين، جسدت كلا منهما قصة متفردة، ولكن لأنهما كيان واحد لا ينفصم عراه، يصعب الفصل بينهما في قصتين منفصلتين. قصة أم أكدت أن الإعاقة هي أن يعجز العقل عن التفكير، مؤكدة أن النجاح تصنعه الإرادة، وأن الإعاقة مهما كان نوعها لن تقف حجر عثرة في طريق صناع النجاح، وذوي الإرادات الفولاذية، أم لطفلة من فئة متلازمة داون، لم تقف مكتوفة الأيدي تندب حظها، أو تتعامل بخوف على مستقبلها في عدم قدرتها على تحمل مسؤولية نفسها، مع تضاعف الشعور بالألم نتيجة النظرة القاسية التي يوجهها مجتمع معوق ذهنيا.

شهد الشهد

(شهد الطاهر)، بلغت عامها السابع عشر، كبرت الصغيرة، التي عرفت بالمصورة الصغيرة. لا يبدو على ملامحها أية علامات الإعاقة الذهنية، تتحدث بطلاقة وثقة، وتتقن التحدث والغناء باللغة الإنجليزية كما وأنها تحفظ الشعر وتلقيه في كل محفل تدعي له، تواجه جمهورها بكل ثقة مؤكدة على أنها مثالا حيا يفند كل ما ينشره هذا المجتمع من وصم وتمييزه

أينما حللت تستقبلك شهد بأجنحة معارضها وابتسامتها الساحرة، وبجوارها والدتها السيدة غالية وهي أم من طراز خاص، استطاعت أن تضرب بعرض الحائط كل الموروثات الخاطئة، والأفكار القاصرة المتعلقة بالطفل المعوق ذهنيا، وأن توجه مشاعر أمومتها بقوة وذكاء، لتدفع بابنتها إلى الأمام، ونمت فيها هواية التصوير.. جعلت منها شهد المصورة الصغيرة.

بطاقة تعريف : – الأسم شهد عبد الناصر ابراهيم الطاهر – العمر 17 سنة – الهواية : التصوير الفوتوغرافي. شاركت في العديد من المعارض، ولها العديد من شهادات التقدير من سنة 2010 م إلى الآن..

في سنة 2019 نجحت بتفوق من أولى إلى ثانية معهد بفصول الاندماج، ولها مشاركات عديدة منها، برنامج خطوة لوصول ذوي الإعاقة للتعليم الجامعي. ومنتدى السياحة الميسرة لذوي الإعاقة في فندق باب البحر. كما قامت الجمعية الليبية لمتلازمة داون بتصويرفيديولها تتحدث فيه باللغة الإنجليزية عن مستواها الدراسي وهوايتها واندماجها، وعرض في كونجرس متلازمة داون في الولايات المتحدة الأمريكية في اليوم العالمي لمتلازمة داون 2013 م، والذي لاقى ترحيب واستحسان الجميع.

بداية الرحلة

تحكي لنا السيدة (غالية) أم شهد متذكرة العبارة التي صمت اذنيها وشلت تفكيرها وأظلمت الدنيا في عينيها.. عبارة وكأنها الجبل على كتفيها، أفقدتها الصدمة توازنها قبل أن تستعيد قوتها لتبدأ رحلة الكفاح لتأهيل طفلتها التي لم تتجاوز الشهرين، وتروي تفاصيل هذا الأيام العصيبة قائلة:

 

– بعد مرور شهرين على ولادة شهد أحسست بأنها تعاني من مشكلة ما، تنام كثيرا وهادئة جدا، وبعد الكشف عليها بتحليل (كروموزمات) اتضح أن طفلتي لديها متلازمة داون، وتقبلت الأمر بصدر رحب، وشكرت الله على هذه الأمانة التي خصني بها، ولكن المؤلم في الأمر أننا لا نملك أية معلومات حول هذه المتلازمة، فبدأت بالبحث والسؤال عن طريقة التعامل مع هؤلاء الأطفال، وفي إحدى الزيارات للطبيب أخبرنا أن هؤلاء الأطفال ليس منهم أي نفع، وأنهم (بركة) بالبيت، وهم مرحون يحبون الرقص والغناء، وأعمارهم قصيرة. شعرت بالإحباط والأسى لأن الطفلة بدأت تستجيب لمداعبات أخواتها.

علــى الدولــة الليبيــة أن تدعــم وتهتــم بمناهــج التعليــم وطــرق التدريــس والتربيــة  الخاصــة..  والاهتمــام  بالطــرق  وتصميــم  البيــوت  والمــدارس

مواجهة الإعاقة

لم يكن وقع الخبر عليها عاديا، فهي أم تتمنى لطفلتها الصحة والعافية، وتروي لنا تفاصيل هذه المرحلة المهمة في عمر شهد قائلة:

– كان أمامنا أمرين:

إما أن تستسلم وتنهار عاجزة أمام هذه المشكلة وإما أن تبدأ رحلة البحث والتقصي وتتحدى هي وزوجها لتساند طفلتها وتدعمها مدى الحياة.

ومن هنا.. كان لها الخيار الثاني. قررت أن تصنع طفلتها ذات الاحتياج الخاص لتكون طفلة متميزة، وبدأت رحلتها لخوض معارك البحث عن حلول وعن شرکاء يساندونها ويؤمنون بقضيتها.

تقول (أم شهد):

– قبلنا الخيار الثاني بعد أن فكرت بيني وبين نفسي بأن القطط والعصافير يدربها الإنسان وهي بدون عقل، فكيف بالإنسان الذي ميزه الله بالعقل؟.. صحيح أن طفلتي ذات احتياج خاص ولكنها إنسانة لها سعة من المدارك وقدرات خاصة، وما تحتاجه فقط هو القليل من الصبر والمثابرة أكثر من الطفل العادي، ومن هنا انطلقنا أنا ووالدها وكانت هذه أولى خطواتها في التدخل المبكر.

 رحلة عذاب

وتتابع السيدة غالية ( أم شهد ):

– لم أعامل شهد على أنها مختلفة عن إخوتها، بل على أساس أنها طفلة عادية تحتاج إلى مجهود أكثر، فكنت أقوم بعمل التمرينات والتدليك كل يوم، وأضعها في الصباح الباكر تحت أشعة الشمس للحصول على فيتامين (د) المهم للعظام، وفي عمر الثمانية أشهر بدأت معها اختصاصية العلاج الطبيعي برنامج مكثف لمدة ثلاثة أيام بالأسبوع، في كل جلسة ساعة ونصف ما بين (مساج وتمرينات، حتى تتخلص من ارتخاء العضلات، وكانت النتيجة مبهرة، حيث تطورت من الجلوس إلى الحبو ومنه إلى الوقوف، حتى استطاعت المشي في عمر السنة وشهرين، ومع الاستماع للقرآن الكريم والتسابيح، والرضاعة الطبيعية والأكل الصحي، خطت شهد خطواتها الأولى بكل ثقة.

وفي عمر السنة التحقنا بالجمعية الليبية لمتلازمة داون، وكانت الاستفادة لا توصف، من خلال المشاركة في برامج الجمعية واجتماعاتها الشهرية، ومع التحاور والتوعية حصل تغيير كبير في مفاهيمنا، كما ساهمت الجمعية في تأسيس مدرسة للأطفال وبدأت في العمل الفعلي على تنفيذ وتطبيق مبدأ الاندماج التربوي، وتدرجت شهد في كل مراحل التعليم الأساسي بفصول الاندماج، وهي الآن طالبة بمعهد الشموخ للتعليم التقني

فــازت شــهد ونالــت الكثيــر مــن الهدايــا وشــهادات التقديــر.. وحصلــت علــى الترتيب الأول في أكثر من تظاهرة فنية.. حتى عرفت بشهد المصورة الصغيرة

منحة لا محنة

– أؤكد أن التجربة والمتابعة أساسات مهمة في عملية النهوض بأطفالنا من فئة متلازمة داون، وعلى المجتمع أن يتقبل هؤلاء الأطفال ويسمح لهم بالاندماج مع أقرانهم، واللعب حتى لا يشعروا بالاختلاف السلبي، وعلى الدولة الليبية أن تدعم الجهود المبذولة في هذا المجال، وأن تهتم بمناهج التعليم وطرق التدريس والتربية الخاصة، والاهتمام بالطرق وتصميم البيوت والمدارس، وكل المرافق بشكل يتناسب وحركتهم وقدراتهم، فالاعتراف بهذه الحقوق هو أول تمهيد للطريق نحو حل مشاكلهم، والتخلص من نظرة الشفقة التي تكرس لها وسائل الإعلام، والتأكيد على حق هؤلاء الأطفال في التدريب والتأهيل حتى يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم، ولا يتحولون إلى عبء.

شهد والتصوير

تحكي أم شهد عن هواية التصوير :

– بدأت شهد تمارس هوايتها بالتصوير ب (الموبايل)، وبعد أن لفتت صورها انتباهنا، تشجيعا لها اشترينا لها كاميرا صغيرة تصور بها الفراشات والزهور، وكان أن جمعنا لها رصيدا جميلا من الصور شاركت به في العديد من المعارض، وفازت، ونالت الكثير من الهدايا وشهادات التقدير، وحصلت على الترتيب الأول في أكثر من تظاهرة فنية، حتى عرفت بشهد المصورة الصغيرة، وأصبحت تتلقى دعوات للمشاركة بجناح خاص بها، كما أجريت معها العديد من اللقاءات في القنوات الفضائية والمجلات والصحف، مما أكسبها مهارات التعامل مع الناس، والإجابة على أسئلتهم، وأصبح لديها مخزون من الكلمات حتى باللغة الإنجليزية، وتشارك عدد من المصورين الكبار في مناشطهم ومشاركاتهم حتى خارج ليبيا، بدعوة منهم، ولديها أجنحة في أغلب المحافل التي تخص الأطفال بصفة عامة، حيث يتم دعوتها للمشاركة بجناح لصورها، وللمشاركة في تغطية الحدث.

حصاد السنين

هاهي السيدة غالية أم شهد، تحصد ثمار تعب السنين، ثمار الاستقلالية التي زرعتها ونمتها في شهد، لتجدها خلال أيام الإجازة تستيقظ من نومها لتفاجأ بطفلتها وقد أعدت لها وجبة الإفطار..

وفي ختام حديث السيدة غالية الأم ذات القدرات الهائلة، تؤكد أنها لا تنكر أنها بالبداية اعتبرت إنجاب طفل ذو احتیاج خاص محنة، وكانت ترى المستقبل مخيفا مظلما، ولكن مع الوقت أدركت أن وجود شهد في حياتنا هو منحة من الله عز وجل أكرمنا بها، خاصة بعد زواج أخواتها لم يبق لنا بالبيت إلا شهد .

قدمنا لكم قصة حقيقية فيها من العبر الكثير، ومن الأمل متسع، وفيها من الصور ما يغني عن الكلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى