محليات

شهادة مكتوبة بحبر الوجع وحروف المعاناة

تراجيديا علاج مرضى الأورام الليبيين في تونس يرويها أحد المرضى

بمجرد وصول المريض لرأس اجدير تبدأ ساعات الانتظار الممل

المصحة تأخذ عن طريق السفارة ضعف ما تأخذه من الحساب الشخصي

بعد مشقة سفر عبر البر تصل إلى 1000 كيلومتر تكتشف أنك مضحوك عليك بورقة

فوجئت أن شركة «الأريج» الوسيط بين المصحة والسفارة أوقفت علاج الأورام على حساب السفارة

كل سيارة تحتاج إلى 20 دقيقة عند البوابة التونسية بين تفتيش وإجراءات دون النظر لظروف المريض

مئات الليبيين يقفون في صفوف طويلة أمام مقر شركة «الأريج»

ليعلم الجميع أننا ضحية تجار الغذاء الفاسد .. ضحية حرب المتناحرين على السلطة

وفروا لنا أجهزة كشوفات حديثة .. وكفوا أيديكم عن أذيتنا .. يكفينا عذاب المرض وحرقة الكيماوي

مخطيء من يعتقد انه اذا تمكن من الحصول على رسالة للعلاج بالخارج من وزارة الصحة الليبية قد انتهت معاناته وانه في طريقه للحصول على العلاج من المرض الذي ابتلاه به المولي .

أنا حالة مرضية من مئات الحالات التي تمكنت بعد طول عناء من الحصول على رسالة للعلاج من الاورام عاف الله الجميع منها في الجمهورية التونسية   ؛ وما أن يحصل المريض على رسالة العلاج ليبدأ رحلة  معاناة من نوع آخر .. أولها التأكد من وجود تغطية مالية للحالات الموفدة للعلاج من عدمها لدي السفارة ؛ واذا تم التأكد من ذلك يشد المرضي الرحال إلي تونس عن طريق احد المعابر الحدودية  ؛ إضافة إلي أنه ومرافقيه تنتظرهم مصاريف من نوع اخر .. تتمثل في سكن وإعاشة ومواصلات وعليه تغطيتها على نفقته الخاصة بعد أن اوقفت وزارة الصحة السكن والاعاشة على مرافقي المرضي ترشيداً للانفاق !

في البوابة

وبمجرد ان يصل المريض الى معبر راس جدير تبدأ ساعات من الانتظار الممل  .. كنت اعتقد بأنني ذاهب لتونس من أجل أخذ الاشعاع ، ولكن المسؤولين من أبناء وطني وفروا عليّ ذلك ، حيث اخذته من اشعة الشمس عند انتظاري داخل السيارة لمدة 12 ساعة ، في الغالب تنتهي اجراءات عبوره من البوابة الليبية بسلاسة مع دعوات بألا تنقطع الكهرباء او تتوقف منظومة الجوازات ؛ لان ذلك يعني عرقلة لها اول وليس لها آخر .

هذه المرة بعد ان انهينا الاجراءات في البوابة الليبية توقفنا في طابور طويل جدا من السيارات التي تنتظر امام البوابة التونسية وقيل لنا ان الدرك يسمح بمرور سيارتين فقط وكل سيارة تحتاج الى 20 دقيقة مابين تفتيش واجراءات جوازات  غير عابئين بظروف العائلات والمرضى ؛ وبعد انتظار لاكثر من خمس ساعات في البوابة التونسية سمح لنا بالمرور ودخلنا أراضيها بشق الأنفس .

رحلة العلاج

في صباح اليوم التالي ذهبنا للسفارة الليبية في شارع محمد السادس الساعة السابعة ونصف صباحا ً، لتقديم رسالة وزارة الصحة ، وجدت اخوتي الليبيين ينتظرون من الليل ، قدمت أوراقي لموظف الشباك تحقق من أن أوراقي كاملة وتامة وأن اسمي مدرج ضمن الاسماء المستهدفة للعلاج .

اخذت رسالتي عند الساعة الثانية عشرة ظهراً وتوجهت بها لشركة الاريج الوسيط بين المصحة والسفارة ، وهنا كانت الصدمة عند تقديمي اوراقي للحجز عند طبيب أورام والبدء في العلاج ، متمثل في كشوفات وتحاليل وصور مبدئية فأخبرتني المسؤولة عن فتح الملفات أن الشركة أوقفت علاج حالات الأورام عن حساب السفارة ، بسبب كثرة الديون ، وقالت لي بالحرف الواحد (امشوا للسفارة تفاهموا معاهم ماعندنا حتي شيء احنا) .

بعد مشقة سفر عبر البر تصل إلى 1000 كيلو فجأة تكتشف نفسك مضحوك عليك بورقة ينطبق عليها المثل (نقعها وأشرب اميتها).

رجعت للسفارة للتأكد من قصة قفل العلاج ، سألته هل تم قفل علاج الأورام بالفعل ؟ اخبرني وبكل صحة وجه ليتنا أمتلكنا مثلها في الصحة العلاجية (اي صكرنا خلاص ) باهي أمتا بتفتحوا؟ وبكل استخفاف يجيب (والله مش معروف تبع الصفحة متع السفارة في الفيس ولما نفتحوا تعالا قدم أوراقيك ) فكان ردي في لحظة غضب حقيقية (أصلاً انتم ماتفتحوش لين الورم يستفحل فينا) .

وخرجت من السفارة للتفكير فيما سيحدث بعد أن صدت الأبواب في وجهي ، وتضطر أن تبحث عن حل آخر لاستكمال علاجك ، مش مهم كيف وماهو المهم اي حل كان علك تلملم ماتبقى من صحتك ، وهنا تدخل في دوامة الديون من الأقارب والأصدقاء وبعض الشيء من الصدقات والزكاة تصلك ممن أحسوا بوجعك وأرادوا أن يساهموا في انقاذك الذي عجزت عليه دولة البترول.

مصاريف العلاج بتونس تبني لنا أفضل مستشفى متكامل في شمال أفريقيا ، بأحدث الأجهزة المتطورة ، فكيف لا إذا المصحة تأخذ عن طريق السفارة ضعف ما تأخذه من الحساب الشخصي، سألتهم عن العلاج الاشعاعي كم يكلف أجابتني 9.500 دينار تونسي ، بينما عن طريق المصحة 18 ألف دينار تونسي (عجبك باهي مش عاجبك موت في بلادك) ليعلم الجميع أننا ضحية تجار الغذاء الفاسد ضحية مخلفات حرب المتناحرين على السلطة  وضحية سُراق السفارات فسيارة واحدة مصفحة للمسؤولين تكفي لعلاج عشرات الحالات ، وليعلموا أيضاً أننا لا نريد العلاج بالخارج فربما نكونوا الأقرب للموت ولا نريدوا ان نموتوا موتتين موتة البعد وموتة السرطان

وفروا لنا أطباء بالداخل (ان شاءالله حتى يهود) فالإنسانية لا تشمل الديانة لقوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمعيا ) لم يحدد الديانة ولكن حدد الحياة ، وفروا لنا أجهزة كشوفات حديثة وكفوا أيديكم عن تعطيل أدائها وسرقتها وكفوا أيديكم عن أذيتنا ، فيكفينا عذاب اكتشاف المرض وحرقة سم الكيماوي (كما مكتوب  على العلبة  بالخارج ) ويكفيكم سرقة الفواتير  العلاجية والمتجارة بوجعنا ، فلا أحد منا يريد أن يعالج بعيداً عن أمه وإخوته وأبنائه ، كفوا ايديكم عن ابتزاز وخطف الاطباء والمطالبة بالفدية ، افسحوا لهم الطريق لممارسة عملهم وانقاذ أبناء وطنهم لإيقاف معاناتنا بالدول الشقيقة المتقدمة والمتطورة في العلاج ، فلا أحد منا يرضى لنفسه ان يصبح «كورة فتبول» بين المصحة والسفارة وشركة التأمين ، مئات الليبيين المرضى يصتفون أمام شركة الأريج   ، ينتظرون لعل السفارة تحن عليهم بسداد الديون المتراكمة لتمكنهم من العلاج ، شباب وعجائز وأطفال ومثلهم في مصر والأردن ينتظرون الرحمة ، فبدل من أن تكون هذه شركة تأمين صحي للمريض فهي شركة تأمين مستقبل للسارقين

وسينتظرون حتى يشبعوا رغباتهم  وملذاتهم ، وإلى أن يأخذ الله المرضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى