ألرئيسيةالأخيرةسعاد الوحيدى

شتات‭ ‬مسلمي‭ ‬فيتنام‭(‬1-2‭)‬

دفق

بقلم /سعاد‭ ‬الوحيدي

طالما‭ ‬غرّد‭ ‬قلبي‭ ‬لتلك‭ ‬الصورة‭ ‬الأسطورية‭ ‬لمقاومة‭ ‬الشعب‭ ‬الفيتنامي،‭ ‬وإنتصاره‭ ‬التاريخي‭ ‬على‭ ‬أمريكيا،‭ (‬وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تصطف‭ ‬قوى‭ ‬اليسار‭ ‬العالمي‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الكفاح‭ ‬العادل‭). ‬ولكن،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬اعرفه،‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬إشكالية‭ ‬موجعة،‭ ‬تقبع‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭. ‬والتي‭ ‬ستحفر‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬ودياناً‭ ‬من‭ ‬الوجع،‭ ‬وتتأكد‭ ‬كأصعب‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬تقلقني؛‭ ‬أنها‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬مسلمي‭ ‬فيتنام‮»‬‭.‬
لم‭ ‬يكن‭ ‬سراً‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬خاض‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح‭ ‬ضد‭ ‬الأمريكان‭ ‬في‭ ‬فيتنام،‭ ‬هم‭ ‬فصائل‭ ‬الكمير‭ ‬الحمر‭ ‬الشيوعية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬سراً‭ ‬أن‭ ‬مسلمي‭ ‬فيتنام‭ ‬لم‭ ‬ينحازوا‭ ‬لهم،‭ (‬وقد‭ ‬كانوا‭ ‬ينحازون‭ ‬في‭ ‬الشيوعية‭ ‬خروجاً‭ ‬عن‭ ‬الدين‭). ‬وأختاروا‭ ‬بشكل‭ ‬عفوي،‭ ‬صف‭ ‬المقاومة‭ ‬الجنوبية‭ ‬المعارضة‭ ‬للشيوعية،‭ ‬وهو‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬تحالفت‭ ‬معه‭ ‬أمريكيا‭. ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬سراً‭ ‬أن‭ ‬يحصد‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬أمريكيا،‭ ‬التي‭ ‬غادرت‭ ‬فيتنام‭ ‬وتركتهم‭ ‬لقدر‭ ‬عاصف‭ ‬من‭ ‬الجحيم‭. ‬وحيث‭ ‬تم‭ ‬الفتك‭ ‬بالآلاف‭ ‬منهم،‭ ‬وأضطر‭ ‬أغلبهم‭ ‬لمغادرة‭ ‬فيتنام‭. ‬
هذا‭ ‬التغير‭ ‬الديمغرافي‭ ‬جعل‭ ‬تعداد‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬اليوم‭ (‬وكانوا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليونين‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬الفا‭. (‬لهم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مسجد‭ ‬هانوي‭ ‬الكبير،‭ ‬عشرين‭ ‬مسجداً‭ ‬بسايغون،‭ ‬وستين‭ ‬مسجداً‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الجنوب‭). ‬وإذ‭ ‬تمكنت‭ ‬الجهود‭ ‬العربية‭/ ‬الاسلامية‭ (‬الدبلوماسية‭)‬،‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬لحماية‭ ‬هذه‭ ‬المساجد‭ ‬من‭ ‬التهديم،‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬السياسي‭ ‬الطارد،‭ ‬عرقل‭ ‬النمو‭ ‬العمراني‭/ ‬والبشري‭ ‬الاسلامي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وانغلق‭ ‬المسلمون‭ ‬الذين‭ ‬بقوا‭ ‬في‭ ‬الديار‭ – ‬عن‭ ‬عجز‭ ‬حال‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬الاغلب‭- ‬على‭ ‬انفسهم‭. ‬وتقوقعوا‭ ‬في‭ ‬تجمعات‭ ‬متواضعة‭ ‬الحال،‭ ‬تشكل‭ ‬افقر‭ ‬مناطق‭ ‬فيتنام‭. ‬خاصة‭ ‬القاطنين‭ ‬منهم‭ ‬حول‭ ‬الحدود‭ ‬الكمبودية،‭ ‬والذين‭ ‬قصدوها‭ ‬في‭ ‬هجرة‭ ‬داخلية،‭ ‬للاقتراب‭ ‬من‭ ‬اخوانهم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬هناك،‭(‬تضم‭ ‬كمبوديا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬مسلم‭). ‬في‭ ‬الشتات‭ ‬توزع‭ ‬مسلمو‭ ‬فيتنام‭ ‬عبر‭ ‬العالم،‭ (‬بماليزيا‭ ‬قرابة‭ ‬العشرين‭ ‬ألفا،‭ ‬وفي‭ ‬أمريكيا‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف،‭ ‬وعشرة‭ ‬آلاف‭ ‬في‭ ‬أستراليا،‭ ‬ومثلها‭ ‬بفرنسا،‭ ‬منهم‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬في‭ ‬باريس‭). ‬هذه‭ ‬الحقيقية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬شكلت‭ ‬لي‭ ‬مفاجاة‭ ‬نوعية‭. ‬فرغم‭ ‬إهتمامي‭ ‬البحثي‭ ‬بالأقليات‭ ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى،‭ ‬إلا‭ ‬انني‭ ‬أخرت‭ ‬البحث‭ ‬حول‭ ‬مسلمي‭ ‬فيتنام‭ ‬وكمبوديا‭ ‬لسنوات‭. ‬لأكتشف‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬الجاليات‭ ‬الفيتنامية‭ ‬المسلمة‭ ‬المهاجرة،‭ ‬قد‭ ‬استقرت‭ ‬على‭ ‬خطوات‭ ‬مني‭. ‬وأن‭ ‬هوية‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬مسلم‭ ‬فيتنامي‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬كانت‭  ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬كوخ‭ ‬متهالك،‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬الرياح‭ ‬والمطر‭ ‬بضواحي‭ ‬باريس‭. ‬الوجع‭ ‬المُضاف‭ ‬لعذابات‭ ‬أقلية‭ ‬كان‭ ‬صبرها‭ ‬على‭ ‬معتقدها‭ ‬كالقابض‭ ‬على‭ ‬جمر‭.‬شيخ‭ ‬الجالية‭ ‬هارون‭ ‬صالح،‭ ‬يرى‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬وجع‭ ‬الشتات‭ ‬‮«‬ضارة‮»‬‭ ‬نافعة‭:‬‭ ‬‮«‬من‭ ‬حيث‭ ‬تدخل‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬صقل‭ ‬الهوية،‭ ‬وتوحيد‭ ‬الصف،‭ ‬والإلتفاف‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬المتواضع‭ ‬لتعلم‭ ‬أصول‭ ‬ديننا‭ ‬وثقافتنا‭ …(‬يضم‭ ‬الكوخ‭ ‬ثلاث‭ ‬حجرات‭/ ‬ثلاثة‭ ‬فصول‭ ‬لتعليم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وأصول‭ ‬الدين‭). ‬بذلك‭ ‬نقاوم‭ ‬الإنصهار،‭ ‬ونقهر‭ ‬الشتات‭. ‬وبفضل‭ ‬هذه‭ ‬المقاومة،‭ ‬أصبحنا‭ ‬أعلم‭ ‬بديننا،‭ ‬وأعلم‭ ‬بهويتنا‮»‬‭. ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬يفصّل‭ ‬الشيخ‭ ‬هارون‭:‬‮»‬بواقع‭ ‬تحولنا‭ ‬الى‭ ‬أقلية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬غير‭ ‬مسلم،‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نسارع‭ ‬لحماية‭ ‬موروثنا‭ ‬الحضاري‭ ‬الخاص‭.‬
‭ ‬فرغم‭  ‬أننا‭ ‬كنّا‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬اقلية،‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬غير‭ ‬المسلمين،‭ ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬أغلبية‭ ‬في‭ ‬مناطقنا‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تضمنا‭ ‬قرى‭ ‬عن‭ ‬بكرة‭ ‬ابيها‭  ‬مسلمة‭. ‬بل‭ ‬ثمة‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬فيتنام‭ ‬لا‭ ‬يسكنها‭ ‬غير‭ ‬المسلمين؛‭ ‬مثل‭ ‬مقاطعة‭ ‬تشاو‭ ‬دوك،‭ ‬حيث‭ ‬تنتشر‭ ‬المساجد‭ ‬ونسمع‭ ‬الآذان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭.‬
‭.. ‬هنالك‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نشعر‭ ‬بأننا‭ ‬اقلية،‭ ‬لاننا‭ ‬كنا‭ ‬محاطين‭ ‬بوجود‭ ‬مسلم‭ ‬متكامل‮»‬‭. ‬ويشدد‭:‬‮»‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬ثروة‭ ‬أو‭ ‬مال‭ (‬تمثل‭ ‬الجالية‭ ‬شريحة‭ ‬نادرة‭ ‬لهجرة‭ ‬عمالية‭ ‬كادحة‭)‬،‭ ‬لذى‭ ‬فكرنا‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬لهم‭ ‬ثروة‭ ‬خاصة،‭ ‬بل‭ ‬ثروة‭ ‬عظيمة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬معرفة‭ ‬الإسلام»؛‭ ‬المعين‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينضب‮»‬‭. ‬هكذا‭ ‬في‭ ‬الشتات‭ ‬نهض‭ ‬الآباء‭ ‬الرواد‭ ‬لترجمة‭ ‬القرآن‭ ‬وأصول‭ ‬الفقه‭ ‬والسيرة‭ ‬النبوية‭ ‬للغة‭ ‬الفيتنامية‭. ‬وقد‭ ‬اتجهت‭ ‬المقاومة‭ ‬نحو‭ ‬التأسيس‭ ‬المعرفي،‭ ‬وتجدير‭ ‬الهوية،‭ (‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬علماء‭ ‬الشتات‭ ‬كافة‭).‬معرفتي‭ ‬بهذا‭ ‬الشتات‭ ‬غيّرت‭ ‬تصوري‭ ‬‮«‬الفائق‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬انتصارات‭ ‬الشعب‭ ‬الفيتنامي‭ ‬ضد‭ ‬أمريكيا‭. ‬وكيف‭ ‬إن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أمتنا‭ ‬عاش‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬كلحظة‭ ‬انكسار‭ ‬تاريخي‭. ‬ولكن‭ ‬كأن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬سيتعرض‭ ‬هولاء‭ ‬لإنكسار‭ ‬مُضاف‭ ‬في‭ ‬باريس‭. ‬عندما‭ ‬‮«‬رفضت‮»‬‭ ‬حكومات‭ ‬‮«‬الأمة‮»‬،‭ ‬مساعدتهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مسجد‭ ‬يليق‭ ‬بهذا‭ ‬الصمود‭.‬ولكن،‭ ‬لأن‭ ‬البسطاء‭ ‬وحدهم‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الإحساس‭ ‬بوجع‭ ‬البسطاء،‭ ‬تمكن‭ ‬بعض‭ ‬الكادحين‭ -‬وليس‭ ‬إي‭ ‬دولة‭- ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمنحوا‭ ‬للمسلمين‭ ‬الفيتناميين‭ ‬مسجداً‭ ‬جميلاً،‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الجميلة‭.‬

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق